فهرس الكتاب
ثم لو أتينا لهذا الذي يثير هذه الدعوى نجده كأنه يصور أنهم مجمعون على منهج واحد في إعلال الأحاديث ونقدها ، وهذا ليس بصحيح ، فلو نظرنا لكثير من الأحاديث نجد أن فيها خلافًا بين العلماء ؛ فمنهم من يصححها ، ويودعها في صحيحه ، ومنهم من ينقدها ويبين علتها ، وهذه العلة التي يذكرها هي التي يطلقها بعض طلبة العلم على أنه منهج المتقدمين ، وكأنهم مجموعون على هذا المنهج ، وهذا ليس بصحيح .
وليس أدل على هذا من الخلاف بين البخاري والدارقطني ، فلو نظرنا لتتبع ابن حجر للأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري لرأينا أن المنهج واضح في هذه الأحاديث ؛ فالبخاري يأتي حديث من الأحاديث فيه زيادة لفظة ، فيخرج الحديث في صحيحه ، ويأتي الدارقطني فيعل هذه اللفظة بأي شيء كان يكون هذا الحديث رواه فلان وفلان ، ولم يذكر هذه الفظة ، ورواه فلان فذكر هذه اللفظة ، فالدارقطني يعتبر هذه اللفظة شاذة ، والبخاري يعتبر هذه اللفظة من زيادات الثقة ومقبولة عنده .
كذلك أيضًا في مسألة تعارض الوصل والإرسال ، أو الوقف والرفع ، سواء عند البخاري أو عند مسلم بمقارنتهما مع الدارقطني ، نجد أن المنهج الذي عليه البخاري ومسلم في هذه الأحاديث هو الذي عليه بعض طلبة العلم منهج المتأخرين ، فل ندعي أن البخاري ومسلمًا من المتأخرين ؟ .
ثم نقول له: حدد لنا الطريق الذي يحدد به المتقدم من المتأخر ، فالغالب أنهم يذكرون الحد سنة ثلاثمائة للهجرة ، فمن كان قبل ثلاثمائة فهذا من المتقدمين ، ومن كان بعد ثلاثمائة فهذا من المتأخرين.
فنقول له: أليس من الظلم للدارقطني أن يعد من المتأخرين ، وهو صاحب المنهج المعروف ، وكتاب"العلل"مليء بهذه الأحاديث التي ما نقض أحد الأحاديث كما نقضها الدارقطني ؟ فهل يجوز أن يقال عن الدارقطني: إنه من المتأخرين ؟ فمنهج الدارقطني هو منهج المتقدمين ، لكن من حيث التاريخ يعتبر من المتأخرين .