فهرس الكتاب
ج / أقول: نحن لا نشك في أن هناك متقدمًا ومتأخرًا ، فكل من تقادم زمنًا فهو متقدم لمن جاء بعده ، فملًا البخاري متأخر عن الإمام أحمد ومسلم متأخر عن الإمام البخاري ، فالإمام أحمد توفي سنة مائتين وواحد وأربعين ، والبخاري متوفي سنة مائتين وستة وخمسين ، ومسلم توفي سنة مائتين وإحدى وستين وهكذا .. ، فلا يشك في هذا من حيث الوجود حقيقة . أما إذا أردنا أن نضع منهجًا ، فنقول: هذا منهج المتقدمين ، وهذا منهج المتأخرين ، فنقول: هؤلاء المتأخرون حينما أتوا بهذا المنهج هل ابتدعوا أم لهم فيه سلف ؟ نحن نجد أن علم الحديث الذي قُعّد فيما بعد - نجد أن جميع هذا المنهج متكئ على منهج العلماء المتقدمين ، فهم يوردون كلام الأئمة السابقين ويلخصونه على قواعد ويبوبونه على أبواب ويتفننون في هذه الناحية الحديثية ، فالمتأخرون عبارة عن أناس تفننوا فقط في التقسيم والتنويع ، وإلا فهم في علومهم كلها متكئون على كلام المتقدمين .
لكن الذي يظهر لي أن من يطلق هذه العبارة يرى أن العلماء المتقدمين ركزوا على جانب علل الأحاديث ، وأما المتأخرون فلم يعنوا بهذا الجانب .
وهذا تعميم لا ينبغي أن يطلقه طالب علم ؛ لأن فيه ظلمًا للآخرين ، فلو أتينا مثلًا لابن كثير في تاريخه ، ومثاله حديث الطير ، نحد أن ابن كثير لم يعن إطلاقأً بهذه الطرق ، واعتبرها كلها منكرة ، وحكم على الحديث بالنكارة ، على الرغم من أن لها بضعة وستين طريقة ، فهل هذا يعتبر يتنافى مع من أطلق أن ابن كثير من المتأخرين الذين لا ينظرون إلى علل الأحاديث ؟ هذا غير صحيح .
ولو نظرنا لنقد ابن كثير - رحمه الله - لحديث قصة هاروت وماروت - نجد كلامًا جيدًا محكمًا> يتلاقى مع منهج المتقدمين .