فهرس الكتاب
أما أن نأتي في هذا الزمان بهذه الأحاديث التي تجنب هؤلاء الأئمة إعلالها وبخاصة أن نعلها بعلل ساذجة مثل التدليس ومثل الاختلاط ، فأرى أن هذا لا ينبغي لطالب العلم أن يصنعه ؛ وبخاصة ذلك الفعل المستقبح حينما يأتي أحدهم إلى الصحيح فيقول: هذا حديث صحيح لغيره أخرجه البخاري وفيه فلان وهو مدلس ، ولكنه صرح بالتحديث في مكان آخر .
هذا كلام لا ينبغي ؛ وإن وجد في بعض طلبة العلم من يصنع هذا ، ولكنه مخطئ في هذه الطريقة خطأ ظاهرًا وهذا الخطأ ناشئ من عدم تتبعه لكلام أهل العلم في معرفة أن صاحب الصحيح قد يخرج الطريق التي يظهر لبادئ الرأي أنها معلولة ولكنها في الحقيقة منتفية العلة عنها ؛ لكون صاحب الصحيح لا يريد أن يستوفي جميع الطرق في موضع واحد ؛ ولكن لمعرفته بأن علماء عصره لا تخفي عليهم مثل هذه العلة فهو يُخرج الحديث بمثل هذه الصورة ، ولمعرفته بأنهم لا يعيبون هذه العلة لكونها موجودة في الروايات الأخرى .
ويدل على ما ذكرنا أن مسلمًا حينما كلمه شيخه ابن وارة ، وتكلم أبو زرعة في بعض الأحاديث التي يرويها من طريق بعض المضعفين ، كعلي بن عيسى المصري ، وأسباط بن نصر ، وقطن بن نُسير ، وغيرهم من الرواة المضعفين المتكلم فيهم ، تعجب مسلم رحمنه الله من مثل هذا الإعلال ، وقال: إنما قلت: إن هذا الحديث صحيح ، وبين أن السبب الذي يدفعه لذلك كلام ما معناه أنه يُخرج هذه الطريق لكونها تحصلت له بعلو غير الطرق السابقة ، فانتقى هذا الطريق لمعرفته أن هذا الحديث مما أصاب هؤلاء الرواة الذين تُكلم في حفظهم .