الصفحة 14 من 57

حُكي عن سهل بن عبد الله التستري الزاهد ـ رحمه الله ـ: أنه كان يواظب على الصيام، فمر يومًا بثمار و بين يديه رطب حسن فاشتهت نفسه فرد شهوتها، فقالت نفسه: فعلت بي كل بلية من سهر الليالي و ظمأ الهواجر فأعطني هذه الشهوة و استعملني في الطاعة كيف شئت، فاشترى سهل من الرطب و خبز الحواري و قليل شوى و دخل موضعًا ليأكل فإذا رجلان يختصمان، فقال أحدهما: إني محق وأنت مبطل أتريد أن أحلف لك أني محق وأن الأمر على ما زعمت، قال: بلى، فحلف فقال: و حق الصائمين إني محق في دعواي، فقال سهل: هذا مبعوث الحق تعالى إلى هذا السوط بي ثم أخذ بلحيته و قال: يا سهل بلغ من شرفك و شرف صومك حتى يحلف العباد بصومك فيقول: و حق الصائمين ثم تفطر أنت على قليل رطب

و قد تفوح رائحة الصيام في الدنيا و تستنشق قبل الآخرة، و هو نوعان:

أ ـ أحدهما: ما يدرك بالحواس الظاهرة.

كان عبد الله بن غالب من العباد المجتهدين في الصلاة و الصيام، فلما دفن كان يفوح من تراب قبره رائحة المسك، فرؤي في المنام فسئل عن تلك الرائحة التي توجد من قبره؟ فقال: تلك رائحة التلاوة و الظمأ.

ب ـ و النوع الثاني: ما تستنشقه الأرواح و القلوب فيوجب ذلك للصائمين المخلصين المودة و المحبة في قلوب المؤمنين. و حديث الحارث الأشعري عن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ: (أن زكريا ـ عليه السلام ـ قال لبني إسرائيل: آمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك فكلهم تعجبه ريحه، و إن ريح الصيام أطيب عند الله من ريح المسك) خرجه الترمذي و غيره.

لما كان أمر المخلصين بصيامهم لمولاهم سرًا بينه و بينهم، أظهر الله سرهم لعباده فصار علانية، فصار هذا التجلي و الإظهار جزاء لذلك الصون و الإسرار

2 ـ و المعنى الثاني: أن من عبد الله و أطاعه و طلب رضاه في الدنيا بعمل فنشأ من عمله آثار مكروهة للنفوس في الدنيا فإن تلك الآثار غير مكروهة عند الله بل هي محبوبة له و طيبة عنده لكونها نشأت عن طاعته و اتباع مرضاته، فإخباره بذلك للعاملين في الدنيا فيه تطييب لقلوبهم لئلا يكره منهم ما وجد في الدنيا

كل شيء ناقص في عرف الناس في الدنيا حتى إذا انتسب إلى طاعته و رضاه فهو الكامل في الحقيقة. خلوف أفواه الصائمين له أطيب من ريح المسك

عري المحرمين لزيارة بيته أجمل من لباس الحلل.

نوح المذنبين على أنفسهم من خشيته أفضل من التسبيح.

انكسار المخبتين لعظمته هو الجبر.

ذل الخائفين من سطوته هو العز.

تهتك المحبين في محبته أحسن من الستر.

بذل النفوس للقتل في سبيله هو الحياة.

جوع الصائمين لأجله هو الشبع.

عطشهم في طلب مرضاته هو الري.

نصب المجتهدين في خدمته هو الراحة.

ذل الفتى في الحب مكرمة ... و خضوعه لحبيبه شرف

هبت اليوم على القلوب نفحة من نفحات نسيم القرب.

سعى سمسار المواعظ للمهجورين في الصلح،

وصلت البشارة للمنقطعين بالوصل، و للمذنبين بالعفو، و المستوجبين النار بالعتق.

لما سلسل الشيطان في شهر رمضان، و خمدت نيران الشهوات بالصيام انعزل سلطان الهوى و صارت الدولة لحاكم العقل بالعدل، فلم يبق للعاصي عذر.

يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي،

يا شموس التقوى و الإيمان اطلعي،

يا صحائف أعمال الصائمين ارتفعي،

يا قلوب الصائمين اخشعي،

يا أقدام المتهجدين اسجدي لربك و اركعي،

يا عيون المجتهدين لا تهجعي،

يا ذنوب التائبين لا ترجعي،

يا أرض الهوى ابلعي ماءك و يا سماء النفوس أقلعي،

يا بروق العشاق للعشاق المعي،

يا خواطر العارفين ارتعي،

يا همم المحبين بغير الله لا تقنعي،

قد مدت في هذه الأيام موائد الإنعام للصوام فما منكم إلا من دعي: (يا قومنا أجيبوا داعي الله) و يا همم المؤمنين أسرعي، فطوبى لمن أجاب فأصاب، و ويل لمن طرد عن الباب و ما دعي \""

أخلاق الصائمين

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: \"الصيام جُنة فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها \"

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: \"لا تساب وأنت صائم، فان شتمك أحد فقل: إني صائم، وان كنت قائما فاقعد، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك \"

الصيام نصف الصبر

ـ عن جرير النهدي عن رجل من بني سليم قال: \"عَدهُن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في يدي أو في يده: التسبيح نصف الميزان، والحمد يملأه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر، والطهور نصف الإيمان \"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت