الصفحة 15 من 57

\"وإنما سمي الصيام صبرا لأن الصبر في كلام العرب الحبس، والصائم يحبس نفسه عن أشياء جعل الله تعالى قوام بدنه بها، وسمي الصبر ضياء لأن الشهوات إذا انقمعت به وانجلى عن القلب الظلام الغاشي إياه باستيلاء الشهوات على النفس، نظر مواضع النفع له من عبادة الله تعالى فآثرها وابتدر إليها ومواضع الضر الذي يلحق من معاصي الله فاعتزلها وكف عنها، وقد سماه في خبر آخر نصف الصبر \"

\"قال الحليمي ـ رحمه الله ـ: وهذا ـ والله أعلم ـ على أن جماع العبادات فعل أشياء وكف عن أشياء، والصوم يقمع الشهوات، فيتيسر به الكف عن المحارم وهو شطر الصبر، لأنه صبر عن الشهوات، فيتيسر به الكف عن المحارم وهو شطر الصبر، لأنه صبر عن الشهوات، ويبقى وراءه الصبر عن المشاق وهو تخلف الأفعال المأمور بها، فهما صبران: صبر عن أشياء، وصبر على أشياء والصوم يعين على أحدهما (وهو الصبر عن الشهوات) ، فهو إذا نصف الصبر، ومنها أنه سماه 0 (فرضا مجزيا) ، وفي خبر آخر (زكاة) ، ويرجع معناهما إلى أنه ينقص من قوة البدن وينحل الجسم فيكون الصائم كأنه أخرج شيئا من جسده لوجه الله وهو يجزيه به \"

قال ابن رجب: \"و الصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، و صبر عن محارم الله، و صبر على أقدار الله المؤلمة."

و تجتمع الثلاثة في الصوم فإن فيه صبرًا على طاعة الله، و صبرًا عما حرم الله على الصائم من الشهوات، و صبرًا على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع و العطش و ضعف النفس و البدن، و هذا الألم الناشىء من أعمال الطاعات يثاب عليه صاحبه كما قال الله تعالى في المجاهدين: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين) \""

ـ سعيد بن عامر قال كان صالح المري يدعو اللهم ارزقنا صبرا على طاعتك وارزقنا صبرا عند عزائم الأمور \""

أجر الصوم يخرج عن ميزان التقدير

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: \"إن ربكم يقول: كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والصوم لي وأنا أجزي به، الصوم جُنة من النار"

ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل: إني صائم \""

ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: \"كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك \"

قال البيهقي: \"قال أبو عبيد: قد علمنا أن أعمال البر كلها لله تعالى وهو يجزي بها، فنرى ـ والله أعلم ـ أنه إنما خص الصوم بأن يكون هو الذي يتولى جزاءه، لأن الصوم ليس يظهر من ابن آدم بلسان ولا فعل فيكتبه الحفظة، إنما هو نية القلب وإمساك عن حركة المطعم والمشرب. يقول: فأنا أتولى جزاءه على ما أحب من التضعيف، وليس على كتاب كتب له، ومما يبين ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"

(ليس في الصوم رياء) .

قال أبو عبيد: حدثنيه عن ليث عن عقيل عن ابن شهاب رفعه، قال: وذلك لأن الأعمال كلها لا تكون إلا بالحركات إلا الصوم خاصة فإنما هو بالنية التي قد خفيت على الناس، فإذا نواها فكيف يكون ها هنا رياء؟ هذا عندي وجه الحديث والله أعلم.

قال أبو عبيد: بلغني عن سفيان بن عيينة أنه فسر قوله في الصوم (والصوم لي وأنا أجزي به) ، قال: لأن الصوم هو الصبر، يصبر الإنسان عن المطعم والمشرب والنكاح، ثم قرأ قوله تعالى:

(إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)

يقول: فثواب الصوم ليس له حساب يُعلم من كثرته. \""

قال البيهقي: \"قال الشيخ أحمد ـ رحمه الله ـ: وقوله (الصوم لي وأنا أجزي به) فمعناه ـ والله أعلم ـ أني العالم بجزائي والمالك له وليس ذلك مما أخبرتكم به من أن الحسنة بعشر أمثالها، وأن مثل النفقة في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، لكن جزاء الصوم يجل عن هذا كله، وأنا أعلم به وإلي أمره، وهذا لأن كل عمل يعمله ابن آدم من الطاعات فإنما هو تبرر لا تنقص من بدنه شيئا إلا الصيام فإنه تعريض من الصائم نفسه للنقصان الذي قد يُضعف وقد يؤدي إلى الهلاك، والصائم بصيامة مؤثر للرجوع إلى ربه مستسلم لذلك منشرح الصدر، فكان صومه له عز اسمه من هذا الوجه ، وأما الخلوف فإنما جعله أطيب عند الله من ريح المسك ليبين انه وإن كان في الطباع من باب الأذى فإنه عند الله مرضي لا ينبغي إزالته بالسواك وغيره كما لا يزال دم الشهيد عنه بالغسل وأنه يثاب على الصبر عليه كما يثاب على الطعام والشراب والله أعلم \"

قال ابن رجب: \"و أما قوله: (فإنه لي) فإن الله خص الصيام بإضافته إلى نفسه دون سائر الأعمال، و قد كثر القول في معنى ذلك من الفقهاء و الصوفية و غيرهم، و ذكروا فيه وجوهًا كثيرة. و من أحسن ما ذكر فيه وجهان:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت