فهرس الكتاب
و في المسند عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن رجلًا أتى النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ فقال: متى ليلة القدر؟ فقال: (من يذكر منكم ليلة الصهباوات. قال عبد الله: أنا بأبي أنت و أمي و إن في يدي لتمرات أتسحر بهن مستترًا بمؤخرة رحل من الفجر و ذلك حين طلع القمر)
و خرجه يعقوب بن شيبة في مسنده و زاد: (و ذلك ليلة سبع و عشرين) ، و قال: صالح الإسناد. و الصهباوات: موضع بقرب خيبر.
و في المسند أيضًا من وجه آخر عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إن ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر من رمضان) و إذا حسبنا أول السبع الأواخر ليلة أربع و عشرين كانت ليلة سبع و عشرين نصف السبع، لأن قبلها ثلاث ليال و بعدها ثلاث.
و مما يرجح أن ليلة القدر ليلة سبع و عشرين: أنها من السبع الأواخر التي أمر النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ بالتماسها فيها بالاتفاق. و في دخول الثالثة و العشرين في السبع اختلاف سبق ذكره، و لا خلاف أنها آكد من الخامس و العشرين.
و مما يدل على ذلك أيضًا حديث أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ في قيام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهم في أفراد السبع الأواخر و أنه قام بهم في الثالثة و العشرين إلى ثلث الليل، و في الخامسة إلى نصف الليل، و في السابعة إلى آخر الليل حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح، و جمع أهله ليلتئذ وجمع الناس، و هذا كله يدل على تأكدها على سائر أفراد السبع و العشر.
و مما يدل على ذلك ما استشهد به ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ بحضرة عمر ـ رضي الله عنه ـ و الصحابة معه واستحسنه عمر ـ رضي الله عنه ـ، و قد روي من وجوه متعددة: فروى عبد الرزاق في كتابه عن معمر عن قتادة و عاصم أنهما سمعا عكرمة يقول: (قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ دعا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسألهم عن ليلة القدر فأجمعوا أنها في العشر الأواخر. قال ابن عباس: (فقلت لعمر ـ رضي الله عنه ـ:(إني لأعلم أو إني لأظن أي ليلة هي؟ قال عمر ـ رضي الله عنه ـ: و أي ليلة هي؟: قلت: سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر، فقال عمر رضي الله عنه: و من أين علمت ذلك؟ قال: فقلت: إن الله خلق سبع سموات و سبع أرضين و سبعة أيام، وإن الدهر يدور على سبع، و خلق الله الإنسان في سبع، و يأكل من سبع، و يسجد على سبع، و الطواف بالبيت سبع، و رمي الجمار سبع لا يشاء ذكرها، فقال عمر رضي الله عنه: لقد فطنت لأمر ما فطنا له)
وكان قتادة يزيد على ابن عباس في قوله: (يأكل من سبع قال هو قول الله ـ عز وجل ـ:(فأنبتنا فيها حبًا * وعنبًا وقضبًا * و زيتونًا ونخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة ً وأبًا) و لكن في هذه الرواية: أنها في سبع تمضي أو تبقى بالترديد في ذلك.
و خرَّجه ابن شاهين من رواية عبد الواحد بن زياد عن عاصم الأحول حدثني لاحق بن حميد و عكرمة قالا: قال عمر رضي الله عنه: (من يعلم ليلة القدر؟ فذكر الحديث بنحوه و زاد: أن ابن عباس قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ:(هي في العشر سبع تمضي أو سبع تبقى) فخالف في إسناده و جعله مرسلًا و رفع آخره.
روى ابن عبد البر بإسناد صحيح من طريق سعيد بن جبير قال: (كان ناس من المهاجرين وَجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس، فجمعهم ثم سألهم عن ليلة القدر؟ فأكثروا فيها فقال بعضهم: كنا نراها في العشر الأوسط ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر فأكثروا فيها، فقال بعضهم: ليلة إحدى و عشرون، وقال بعضهم: ليلة ثلاث وعشرين، وقال بعضهم: ليلة سبع و عشرين، فقال عمر ـ رضي الله عنه ـ: يا ابن عباس تكلم فقال: الله أعلم، قال عمر: قد نعلم أن الله يعلم، و إنما نسألك عن علمك، فقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: إن الله وتر يحب الوتر خلق من خلقه سبع سموات فاستوى عليهن، و خلق الأرض سبعا، و جعل عدة الأيام سبعًا، و رمي الجمار سبعًا و خلق الإنسان من سبع، وجعل رزقه من سبع، فقال عمر: خُلق الإنسان من سبع، و جُعل رزقه من سبع هذا أمرٌ ما فهمته؟ فقال: إن الله تعالى يقول:(و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) حتى بلغ آخر الآيات و قرأ: (أنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الأرض شقا * فأنبتنا فيها حبًا * و عنبًا وقضبا * وزيتونًا و نخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة و أبًا * متاعًا لكم ولأنعامك) ثم قال: و الأب للدواب.
و خرَّجه ابن سعد في طبقاته عن إسحاق الأزرق عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير فذكره بمعناه، و زاد في آخره: (قال: و أما ليلة القدر فما تراها إن شاء الله إلا ليلة ثلاث و عشرين يمضين أو سبع يبقين) و الظاهر أن هذا سمعه سعيد بن جبير من ابن عباس فيكون متصلًا.