الصفحة 292 من 352

ثُمَّ فَسَّرْتَ قَوْلَ عَبْدِ الله: «أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي القُرْبِ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ إِلَى الجُمُعَةِ» : أَنَّ ذَلِكَ تَقَرُّبٌ إِلَيْهِ بِالعَمَلِ الصَّالَحِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا» .

وَيْلَكَ أَيُّهَا الحَيْرَانُ! إِنَّمَا قَالَ الله: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا» فِي الدُّنْيَا بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، لَا فِي الآخِرَةِ يَوْمَ تُرْفَعُ الأَعْمَالُ منِ العِبَادِ.

لَقَدْ تقلَّدت أَيُّهَا المُعَارِضُ مِنْ تَفَاسِيرِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَشْيَاءَ لَمْ يَسْبِقْكَ إِلَى مِثْلِهَا فَصِيحٌ، وَلَا أَعْجَمِيٌّ، وَلَوْ قَدْ عِشْتَ سِنِينَ؛ لَقَلَبْتَ العَرَبِيَّةَ عَلَى أَهْلِهَا إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى.

ثُمَّ قُلْتَ: هَذَا كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي النَّجْوَى: «إِنَّهُ يَدْنُو المُؤْمِنُ مِنْ ربِّه حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيُقَرِّرَهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَك اليَوْم» [1] .

قُلْتَ: فَتَفْسِيرُ «كَنَفِهِ» : نِعْمَتُهُ وَسَتْرُهُ وَعَافِيَتُهُ، فَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّهُ عَلَى السَّتْرِ مَعَ القُرْبِ وَالدُّنُوِّ وَالمُنَاجَاةِ الَّتِي قَالَهَا النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَأَنْتَ لِجَمِيعِهَا مُنْكِرٌ، وَعَلَى مَنْ آمن بهَا مُغْتَاظ.

(1) أخرجه البخاري (2441) ، ومسلم (2768) ، وغيرهما من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت