الصفحة 310 من 352

أوَ لم تَذْكُرْ فِي كِتَابِكَ أَنَّهُ لَا يحْتَمل فِي التوحيد إِلَّا الصَّوَابُ فَقَطْ؟ فَكَيْفَ تَخُوضُ فِيهِ بِمَا لَا تَدْرِي؟ أَمُصِيبٌ أَنْتَ أَمْ مُخْطِئٌ؟ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا نرَاك تُفَسِّرُ التَّوْحِيدَ بِالظَّنِّ، وَالظَّنُّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَهُوَ قَوْلُكَ: يَحْتَمِلُ فِي تَفْسِيرِهِ كَذَا، وَيَحْتَمِلُ كَذَا تَفْسِيرًا وَيَحْتَمِلُ فِي صِفَاتِهِ كَذَا، وَيَحْتَمِلُ خِلَافَ ذَلِكَ كذا، وَيَحْتَمِلُ فِي كَلَامِهِ كَذَا وَكَذَا، وَالِاحْتِمَالُ ظَنٌّ عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ يَقِينٍ، وَرَأْيٌ غَيْرُ مُبِينٍ، حَتَّى تَدَّعِيَ لله فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ ألوَانًا كَثِيرَةً، وَوُجُوهًا كَثِيرَةً أَنَّهُ يَحْتَمِلُهَا لَا تَقِفُ عَلَى الصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ فَتَخْتَارَهُ، فَكَيْفَ تَنْدُبُ النَّاسَ إِلَى صَوَابِ التَّوْحِيدِ، وَأَنْتَ دَائِبٌ تجْهَلُ صِفَاتَه، وَأَنْتَ تَقِيسُهَا بِمَا لَيْسَ عِنْدَكَ بِيَقِينٍ؟ ولكنَّا نَظُنُّكَ تَقُولُ الشَّيْءَ فَتَنْسَاهُ، حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكَ فِيهِ مَا يَأْخُذُ بِحَلْقِكَ أَوْ يَكْظِمُكَ.

وَالعَجَبُ مِنْ رَجُلٍ يَدَّعِي عَلَى قَوْمٍ زُورًا وَكَذِبًا أَنَّهُمْ يُشَبِّهُونَ اللهَ بَآدَمَ فِي صُورَتِهِ، فَتَدَّعِي عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ كُفْرًا، وَهُوَ يُشَبِّهُهُ فِي يَدِهِ بِأَقْطَعَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وَفِي بَصَرِهِ بِأَعْمَى، وَفِي سَمْعِهِ بِأَصَمَّ، وَفِي وَجْهِهِ بِوَجْهِ القبْلَة، وَوُجُوه الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَفِي كَلَامِهِ بِأَبْكَمَ، حَتَّى تَتَوَهَّمَ فِي كَلَامِهِ أَنَّهُ كَكَلَامِ الجِبَالِ وَالشَّجَرِ، وَفِي ضَحِكِهِ بِالزَّرْعِ الأَخْضَرِ.

فَكَيْفَ تُجِيزُ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَجْحَدُهُ عَلَى غَيْرِكَ؟ لَقَدِ احْتَظَرْتَ وَاسِعًا، وَكُلَّما احْتَجَجْتَ لِمَذْهَبِكَ مِنْ بَاطِلٍ احْتُمِلَ، وَمَا احتجَّ عَلَيْكَ غَيْرُكَ فِيهِ مِنْ حَقٍّ بَطُلَ! رُوَيْدَكَ بِالقَضَاءِ فَلَا تَعْجَلْ، فَتَزِلَّ قَدَمُكَ، وَتَسْتَجْهِلَ، وَتَفْتَضِحَ بِهَا عِنْدَ مَنْ عَقِلَ.

وَلَئِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَهْمِيَّةِ مِنَ الحُجَجِ إِلَّا مَا حَكَيْتَ عَنْهُمْ مِنْ هَذِهِ العَمَايَاتِ المُسْتَشْنَعَةِ، وَالتَّفَاسِيرِ المَقْلُوبَةِ؛ مَا أَسْدَيْتَ إِلَيْهِمْ بِذِكْرِهَا نَصِيحَةً، وَقَدْ زِدْتَهُمْ بِهَا فَضِيحَةً عَلَى فَضِيحَةٍ، إِذْ تُضِيفُ إِلَيْهِمْ هَذِهِ الشَّناَئِعَ القَبِيحَةَ، فَكَشَفْتَ عَنْهُمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت