وليس المقصود من هذا تعطيل الجهاد بمعنى القتال إذا تعين بزعم تربية النفس وجهادها أو اشتراط العدالة في المجاهدين حتى يجاب عنه باتفاق العلماء على وجوب القتال على الفسقة والاستعانة بهم إجماعًا كما يقول البعض ، بل المقصود بيان حقيقة كونية وسنة شرعية لا يمكن أن يقوم الجهاد إلا بها وقد سار عليها الأنبياء وأصحابهم فلابد لنا ونحن نحدد للصحوة أولويتها وعملها في واقعنا المعاصر أن نسير على منهجهم ولا يغيب عنا أن جيوش الصحابة والتابعين لم يكن أكثرهم حديثي الإسلام أو من الفساق والمنافقين حاشاهم من ذلك ، بل هم بحمد الله أكمل الأمة إيمانًا وأكثرهم علمًا وأحسنهم عملًا ، وبهذا نصرهم الله .
قال البخاري في صحيحه: باب عمل صالح قبل القتال .
وقال أبو الدر داء: إنما تقاتلون بأعمالكم .
ولاشك أن حالة الضرورة غير حالة الاختيار ، وحالة إحياء الأمة من رقدتها الطويلة وبعثها من تحت سلطان عدوها غير حالة الدفع عن الأمة القائمة إذا نزل بها عدوها إذ لا يستجيب لداعي الجهاد ، بل لكل دواعي طاعة الله في حالة الرقاد إلا من استجاب للإيمان والالتزام أصلًا ، ولا يقوم الحق ومنه الجهاد إلا بقيام الطائفة المؤمنة أولًا فإذا قلنا للناس الآن أن أولى الأولويات في الوقت الحاضر هو إعداد العدة العسكرية (ونحن لانشك في وجوبها مع القدرة) ولكننا نعلم مقدار قوة المؤمنين المتواضعة على ذلك ونعلم كذلك بُعد شباب الأمة ورجالها عن الالتزام بدينهم أصلًا ونعلم ما يترتب على ذلك من أمور ربما تودي بالدعوة من أصلها مع أن الإعداد المادي ربما لا يستغرق إلا أسابيع أو شهور إذا استجاب المرء لداعي الإيمان والالتزام إذا قلنا هذه هي أولى الفرائض وأوجب الواجبات وأن من لا يقوم به خائن لأمته ودينه كان ذلك خلطًا في الموازين ، وقلبًا لسنن الأنبياء الشرعية ومخالفة لسنن الله الكونية .