المراد عدالة الشهادة، فيخرج العبد والمرأة احتياطا للعبادة، نعم يكتفى بالمستور ولا تشترط سلامته من خوارم المروءة ولا ينافيه كونه شهادة لأنهم سامحوا في ذلك كما سامحوا في العدد احتياطا للصوم، وهي شهادة حسبة فلا تحتاج إلى سبق دعوى، والمستور هو من ظاهره التقوى ولم يعدل عند قاض وتقبل شهادة عدلين على شهادته.
وإذا صمنا بعدل ولم نر الهلال بعد ثلاثين أفطرنا في الأصح، وإن كانت السماء مصحية.
إذا دخل رمضان بشهادة عدل ولو مستورا، ولم نر الهلال إلا بعد ثلاثين يوما وجب الإفطار، وأن كانت السماء مصحية أي لا غيم فيها بحيث يمكن رؤية الهلال، لإكمال العدد ثلاثين بحجة شرعية
وهي الشهادة.
-رؤية الهلال ببلد دون آخر:
وإذا رؤي ببلد لزم حكمه البلد القريب دون البعيد في الأصح.
إذا رؤي الهلال في بلد وجب على البلدان القريبة الصوم، كصنعاء وعمران، ولا يلزم البلدان البعيدة في الأصح كصنعاء ومكة.
والبعيد مسافة القصر وقيل باختلاف المطالع، قلت هذا أصح والله أعلم.
قلنا بأن البلد البعيد لا يلزمه الصوم، وفي تحديد البعيد وجهان:
الأول: ما يبعد مسافة القصر، وهو ما صححه الرافعي، والنووي في شرح مسلم، لأن الشرع علق بها كثيرا من الأحكام.
الثاني: باختلاف المطالع، وهم ما صححه النووي هنا، ويقصد بذلك كون البلدين على خط طول واحد [1] ، وقال (ق ل) :"بأن يكون غروب الشمس وطلوعها في البلدين في وقت واحد فإن غرب شيء من ذلك أو طلع في أحد البلدين قبله في الآخر أو بعده لم يجب، وهذا مرجعه إلى طول البلاد وعرضها سواء قربت المسافة أو بعدت، ولا نظر لمسافة القصر وعدمها"لأن أمر الهلال لا تعلق له بمسافة القصر ولما روى مسلم عن كريب قال رأيت الهلال بالشام ثم قدمت المدينة فقال ابن عباس متى رأيتم الهلال قلت ليلة الجمعة قال أنت رأيته قلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية فقال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة فقلت أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه قال لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقياسا على طلوع الفجر والشمس وغروبهما
قال بعضهم: واختلاف المطالع لا يكون في أقل من أربعة وعشرين فرسخا وبه أفتى الشهاب الرملي وولده، قال علي السبراملسي: وقدره ثلاثة أيام أي حوالي 130كم أي تحديدا، لكن قال (ق ل) : وهذا غير مستقيم بل باطل"وجاء في بغية المسترشدين أن عدن وتعز وصنعاء وزبيد مطلع، وبين صنعاء وعدن قريب الثلاثمائة كيلو."
وإذا ثبت الهلال ببلد عم الحكم جميع البلدان التي تحت حكم حاكم بلد الرؤية، وإن تباعدت إن اتحدت المطالع، وإلا لم يجب صوم ولا فطر مطلقا، وإن اتحد الحاكم ولو اتفق المطلع ولم يكن للحاكم ولاية لم يجب إلا على من وقع في قلبه صدق الحاكم.
وإذا لم نوجب على البلد الآخر فسافر إليه من بلد الرؤية فالأصح أنه يوافقهم في الصوم آخرا.
إذا سافر من بلد الرؤية وقد أكمل صوم رمضان تسعة وعشرين أو ثلاثين يوما إلى بلد بعيد ووجدهم صائمين فهل يجب عليه الصوم أو لا، وجهان:
الأول: يجوز له الفطر لأنه قد أكمل الشهر ولا يمكننا أيجاب صوم واحد وثلاثين يوما إلا بدليل، ولأنه لزمه حكم البلد الأول فيستمر عليه، وهذا ما انتصر له الأذرعي.
الثاني -وهو الأصح-: يجب عليه موافقتهم في الصوم، وإن كان قد أتم ثلاثين، لأنه بالانتقال على بلدهم صار واحدا منهم فيلزمه حكمهم.
ومن سافر من البلد الآخر إلى بلد الرؤية عيد معهم وقضى يوما.
من سافر من البلد البعيد الذي لم ير فيه إلى بلد الرؤية فإذا هم معيدون عيّد معهم وجوبا لما مر سواء أصام ثمانية وعشرين بأن كان رمضان أيضا عندهم ناقصا فوقع عيده معهم في التاسع والعشرين من صومه أم تسعة وعشرين بأن كان رمضان تاما عندهم، وقضي يوما إن صام ثمانية وعشرين، لأن الشهر لا يكون كذلك بخلاف ما إذا صام تسعة وعشرين لا قضاء عليه، لأن الشهر يكون كذلك.
ومن أصبح معيدا فسارت سفينته إلى بلدة بعيدة أهلها صيام فالأصح أنه يمسك بقية اليوم.
أي وجوبا لما مر، والوجه الثاني: لا يجب إمساكه، لأنه لم يرد فيه أثر، وتجزئة اليوم الواحد بإمساك بعضه دون بعض بعيد.
فصل: أركان الصوم:
أركان الصوم ثلاثة: نية وإمساك عن المفطرات وصائم.
-النية:
النية شرط للصوم، ويشترط لفرضه التبييت.
النية هي الركن الأول للصوم لقوله - صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات"ومحلها القلب، ولا تكفي باللسان ولا يشترط التلفظ بها.
(1) قال بعض المتأخرين: ومعنى اختلاف المطالع أن يكون طلوع الفجر أو الشمس أو الكواكب أو غروبها في محل متقدما على مثله في محل آخر أو متأخرا عنه وذلك مسبب عن اختلاف عروض البلاد أي بعدها عن خط الاستواء.