فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 19

والشاهد منه قال: (( جاءنا رجل من عمومتي يقول: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعًا -كنا نستفيد منه- وطواعية الله ورسوله أنفع لنا ) )رواه مسلم (1548) . فقد يأتي واحد ويقول: والله كنا نسير في الشركة على حاجة وكنا مستفيدين منها، ثم جاءتنا الفتوى توقفنا عنها,، وطاعة الله ورسوله أنفع لنا وأفود لنا, والذي يترك الشيء امتثالًا لأمر الله لابد له من العوض, لمَّا هجر إبراهيم عليه السلام قومه واعتزلهم أمره الله بالهجرة من العراق إلى الشام عوضه الله بالذرية الصالحة وجاءت هاجر وابنها إسماعيل وأصلح الله سارة وابنها إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب, لما ضحى يوسف عليه الصلاة والسلام ترك الشهوة لله عوضه الله ملكًا في مصر, لما ترك أهل الكهف الراحة وهجروا مكان الفتنة والاضطهاد؛ عوضوا بالراحة العظمى والنوم الهانئ الطويل, وبعد ذلك نالوا ذكرًا وشرفًا في الدنيا قبل الآخرة, والمهاجرون لما تركوا مكة, الوطن والأصل والأهل والمال والدار عوضهم الله رزقًا وعزًا وتمكينًا وفتح لهم كسرى وقيصر وكنوز الأرض وولاهم على مكة وعلى غير مكة وفتحها لهم كلها, فما ترك عبدٌ شيئًا لله إلا عوضه الله خيرًا منه, وقد جاء عن أبي قتادة وأبي الدهماء قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يعلمني مما علمه الله تبارك وتعالى وقال: (( إنك لن تدع شيئًا اتقاء الله عز وجل إلا أعطاك الله خيرًا منه ) )أحمد (20215) ، وصححه شعيب الأرناؤوط. وإذا لم يأت العوض في الدنيا سيأتي في الآخرة ولا بد وهو أنفع وأحسن ودائم.

وعن أبي بن كعب قال: (ما ترك عبد شيئًا لا يتركه إلا لله إلا آتاه الله بما هو خير منه من حيث لا يحتسب، ولا تهاون عبدٌ أو أخذه من حيث لا يصلح له إلا آتاه الله بما هو أشد منه من حيث لا يحتسب) الزهد لابن المبارك (1/ 213) . إذًا الذي يترك المحرمات صادقًا مخلصًا من قلبه لله؛ فإن الله سيقلب مرارة المشقة عنده إلى حلاوة, فتستحيل لذةً ويعوضه عن ذلك. قال زاذان: (كنت غلامًا حسن الصوت جيد الضرب بالطنبور وكنت أنا وصاحب لي في رابعة وعندنا نبيذ لنا وأنا أغنيهم, إذ مر عبد الله بن مسعود -على الشلة فيها مغني وخمر- فلما سمع الصوت دخل علينا فضرب البَاطِيِّة -إناء الخمر- برجله فأكفأها وانتزع الطنبور من يدي فضرب به الأرض فكسره, ثم قال: لو كان ما أسمع من حسن صوتك هذا يا غلام بالقرآن كنت أنت أنت، ثم مضى, فقلت لأصحابي: من هذا الذي فعل؟ قالوا: هذا عبد الله بن مسعود -طبعًا: كان زمان في سلطان لأهل الخير وأهل الحق, فأهل الشر إذا جوبهوا بهذا خمدوا، وإذا تكلم الواحد تكلم بعدما يذهب رجال الحسبة, فصار الحال إلى ما نرى ونسمع- فألقى الله في نفسي التوبة فسعيت وأنا أبكي فلما بلغ الباب أراد أن يدخل فأخذت بثوبه فالتفت إليَّ فقال: من أنت؟ قلت: أنا صاحب الطنبور, فأقبل علي فاعتنقني وبكى ثم قال: مرحبًا بمن يحب والله, اجلس مكانك ثم دخل فأخرج إلي تمرًا فقال: كُلْ من هذا التمر ولو كان عندنا غيره أخرجته إليك) تاريخ دمشق (18/ 284) . فهذا الرجل الذي قال له ابن مسعود: ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله, وجَّهه لاستغلال هذه الموهبة واستثمارها في طاعته عز وجل, والآن لو قيل لمغني شهرة ومال وحقوق محفوظة, لو قيل لمغني تركض وراءه مؤسسات الإنتاج والإعلام والإعلان والقنوات: اترك لله وجاء يقول: ما هو البديل, وأنا لو تركت هذا ما هو مصدر رزقي؟ أحيانًا الواحد يكون مشهورًا في الحرام لو تركه يقول: أنا سأصير شخصًا مغمورًا الهالات ستذهب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت