من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه
ثانيًا: ترك الحرام لابد أن يكون لله وليس لأجل وجود بديل وعدم وجود بديل, فأنت الآن تركك لهذا المحرم لله، أو تريد أن تبقى مستمتعًا، فإذا سحبت منك شيء لابد أحط لك شيء أو لن تكون مستعدًا لتمشي خطوة إلى الأمام, ففرق شاسع بين من يترك الحرام طاعة لله وانقيادًا وبين أن يتركه لوجود بديل, وفرق بين من يبلغه نهي الشريعة عن شيء فينكفّ عنه ثم يعوضه الله خيرًا منه, فإذا علم أن الوظيفة محرمة يقول لك: أنا لن أترك الوظيفة ولن أخرج منها إلا إذا وجدت وظيفة أخرى بديلة, فترك الحرام عنده ما هو متوقف على طاعة الله الفورية, بل متوقف على وجود بديل وإذا ما وجد بديل؟ وأحيانًا البديل لا يوفق الله العبد إليه إلا إذا ترك ذاك له, يعني من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه, فيتركه امتثالًا ثم يأتيه الله بالبديل, على قاعدة: من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه, يا أخي واحد راتبه في مصرف ربوي عشرون ألفًا فمن أين تأتي له ببديل - بعشرين أو خمسة وعشرين مثلًا-, لكن يمكن أن يرزقه الله ببديل بعشرة، لكن بركة العشرة أكثر مما كانت عليه العشرون, ويمكن البديل لا يأتي إلا بعد ترك المحرم, ولا يوفقه الله إليه إلا بعد ترك المحرم, فمن هنا نعلم خطأ بعض الناس الذين يتركون الأشياء المحرمة في بيوتهم ويقول: إذا سحبته يصير في فراغ, ويتذرع في إبقائها بعدم وجود بديل, فهو لا يترك الحرام إلا إذا قدم له البديل الموازي، وهذا خلل في التسليم، وخلل في التطبيق، وخلل في الطاعة، وخلل في الالتزام, فلابد من سمعنا وأطعنا والترك الفوري والتجرد عن الهوى، وتأخذ أجر الامتثال، والتسليم للأمور الشرعية بالرضا والقبول من أساسيات الإسلام وأصول هذا الدين, قال الزهري رحمه الله: (من الله الرسالة, وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغ وعلينا التسليم) , (فالوحي الإلهي لا سبيل إلى مقابلته إلا بالسمع والطاعة والإذعان، وليس لنا بعده خيرة وكل الخيرة في التسليم له والقول به، ولو خالفه من بين المشرق والمغرب) الروح لابن القيم صـ183 فالمؤمن مأمور بالانقياد والإتباع والسمع والطاعة {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} سورة النور (51) {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} سورة الأحزاب (36) , (( لما نزل تحريم الخمر وقرأه عليهم {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} سورة المائدة(91) ، قالوا: انتهينا انتهينا ))رواه أحمد (355) . نادى المنادي: الخمر حرمت سكبوها, (( ما راجعوها ولا سألوا عنها بعد خبر الرجل ) )مسلم (1980) .كما قال أنس رضي الله تعالى عنه, ما توقف امتناعهم عنها على وجود بديل, لما حرم النبي عليه الصلاة والسلام لحوم الحمر الأهلية في خيبر بادر الصحابة بالامتثال وأكفأوا القدور وهي تفور باللحم، (( لما رأى خاتم ذهب في يد رجل نزعه وألقاه قيل للرجل: خذ خاتمك؟ قال: لا والله ما آخذه ) )رواه مسلم (2090) . قال رافع بن خديج: (( كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى, فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال: -وهذه طبعًا قضية فقهية فيها تفصيلات، لكن يحصل أحيانًا أنه يجيء واحد إلى صاحب الأرض ويقول له: أنا أزرع لك أرضك بشرط أن تعطيني الثمار التي تنبت على أطراف السواقي والترع والماذيانات؛ لأنه عادة تطلع أكثر وأجود وأنت تأخذ الباقي, لا يجوز أنه يكون المقابل في المزارعة شيئًا في مكان معين من الأرض؛ لأنه ممكن يسلم نصيب الزارع مثلًا, وذلك يموت لا يخرج أو يكون سيئًا فيكون فيه غبن, الآن ندخل في قضية المزارعة والمخابرة, لكن الحديث