كثيرا فإنه لا ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه بل لابد للقول بأنه نجس من تغير أحد أوصافه بالنجاسة، ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم (( الماء طهور لا ينجسه شيء ) )ولأن الأصل فيه الطهورية فلا ننتقل عن هذا الأصل إلا بناقل صحيح معتمد , ولأن هذه النجاسة التي وقعت فيه ولم تغيره هي معدومة أو في حكم المعدوم وقد تقرر أن المعدوم لا حكم له، ولأنه لو وقعت فيه خمر واستحالت فيه ولم يظهر لها أثر فإنه لا يحد من شربه لأنه لم يشرب خمرا، فكذلك هنا، ولأنه لو وقعت قطرة لبن في ماء واختفت آثارها، فإنه لا يحكم بوجود حكم الرضاع بمجرد شربه، لأنه لم يشرب لبنا، فكذلك هنا، وأما حديث (( إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث ) )فإنه استدلال بمفهوم على أن ما دونهما يحمل الخبث وحديث (( الماء طهور لا ينجسه شيء ) )استدلال بمنطوق، وقد تقرر أن المنطوق مقدم على المفهوم ولأن مفهومه أن ما دون القلتين يغلب على الظن أنه يحمل الخبث لكن هذا لا يكون إلا بظهور وصف النجاسة فيه، ولأن ما دون القلتين إن وقعت فيه نجاسة ولم تغيره مشكوك في نجاسته والأصل في الماء الطهورية، والمتقرر أن اليقين لا يزول بالشك ولأننا قلنا أصلا في حديث أبي سعيد أنه أمر أغلبي لا كلي، مع أنه منطوق، فإذا قلنا ذلك في المنطوق فمن باب أولى أن نقيد المفهوم من حديث القلتين بأنه أغلبي لا كلي فإن المنطوق إذا احتمل التقييد بكونه أغلبيا فالمفهوم من باب أولى، ولأن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن , ولا يتم الجمع بين دلالتي الحديثين إلا بذلك، والله أعلم.
مسألة:- واختلف أهل العلم فيما إذا غمس القائم من نوم الليل يده قبل غسلها ثلاثا مع اتفاقهم على أن الماء لا ينجس بذلك، لكن اختلفوا هل يسلب ذلك الغمس قبل الغسل طهوريته؟ على أقوال، والراجح منها أنه لا يسلبه الطهورية، بل هو باق على حاله، وذلك لأنه بعد هذا الغمس لا يزال يسمى ماء، والأصل في الماء الطهورية ولأن النهي تعبدي غير معقول المعنى على القول الصحيح، فالعلة هنا تعبدية قاصرة وقد تقرر في القواعد أن العلة التعبدية لا تتجاوز محلها، ولأن ذلك يفيد الشك في طهورية الماء