فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 1002

ولكنى أوافق أبا حنيفة كل الموافقة في تمسكه بعموم:" (ومما أخرجنا لكم من الأرض) ..وعموم حديث:"فيما سقت السماء العشر"ولا أخصص هذا العموم بمثل حديث:"ليس في الخضراوات صدقة"لأنه حديث ضعيف، على أنه يمكن تأويله بأن المعنى: ليس فيها صدقة يأخذها الجباة، لأنها مما يسرع إليه التلف والفساد، فلا تبقى في بيت المال، فإذا لم يكن شرع أخذها كالمواشي والزرع فإن ذلك لا يسقط إيجابها باللفظ العام السابق. إن عمومات القرآن والسنة يجب أن تحترم وتؤخذ كما هي حتى يخصصها دليل صحيح صريح، ومن هنا أخذنا بعموم الآيات والأحاديث التي افترضت الزكاة من كل مال، مثل قوله تعلى:" (خذ من أموالهم صدقة) (التوبة 103) . (والذين في أموالهم حق معلوم) (المعارج: 24) ..وقوله -صلى الله عليه وسلم-:"أدُّوا زكاة أمولكم"من غير فصل بين مال ومال، ولم نخرج من ذلك إلا ما خصصه الدليل.

2-احترام الإجماع المتيقن

فإن اتفاق علماء الأمة جميعًا على حكم شرعي -وخاصة في القرون الأولى- يدل دلالة واضحة على أنهم استندوا فيما أجمعوا عليه إلى اعتبار شرعي صحيح من نص أو مصلحة أو أمر محسوس، فينبغي أن يحترم إجماعهم، لتبقى مواضع الإجماع في الشريعة، هي الضوابط التي تحفظ التوازن، وتمنع البلبلة والاضطراب الفكري. وذلك كإجماعهم على وجوب الزكاة في الذهب بنسبة زكاة الفضة: ربع العشر، وكإجماعهم على أن المثقال درهم وثلاثة أسباع ... إلى غير ذلك من الأمثلة.

وإنما قلت:"الإجماع المتيقن"لأن بعض الفقهاء نقل الإجماع في مسائل ثبت فيها الخلاف عند غيرهم، وسبب هذا:"أن العلماء المجتهدين في العصور الأولى كانوا منتشرين في عامة الأقطار والبلدان، وكانوا من الكثرة بحيث يتعسر معرفة أقوالهم في كل مسألة اجتهادية، وهذا ما جعل الإمام أحمد يقول:"من أدعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا ما يدريه؟ ولم ينته إليه فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت