فهرس الكتاب
إن كثيرًا من نصوص الدين جاء بألفاظ عامة، ليندرج في مفهومها أفراد وجزئيات كثيرة، وهذا من جملة أسرار خلود هذا الدين، وصلاحيته لكل زمان ومكان. ولهذا أرى أن العموميات التي جاءت في آيات القرآن وأحاديث الرسول يجب أن يؤخذ بها، ويعمل بمقتضى عمومها، ما لم يخصصها نص صحيح الثبوت، صريح الدلالة، فحينئذ نقدم الخاص على العام. فلست مع الذين يردون السنن الصحيحة المحكمة بالظواهر والعمومات القرآنية، ولا مع الذين يسارعون إلى التخصيص بالحديث، ولو في سنده لين، أو بالصحيح ولو في دلالته ضعف أو غموض. إني أخالف الإمام أبا حنيفة الذي رد حديث:"ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة"إبقاء على عموم: (ومما أخرجنا لكم من الأرض) (البقرة 267) ، وعموم:"فيما سقت السماء العُشر"، لأن الحديث صحيح متفق عليه، وتأويله بأنه في أوسق التمر إذا كانت للتجارة تأويل ضعيف مرجوح بل متهافت . ولهذا رجحت رأى الصاحبين والجمهور في اعتبار النصاب فيما أخرجت الأرض كسائر الأموال الأخرى، وهو الموافق لحكمة الشارع في فرض الزكاة على الأغنياء.