فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 1002

أما حديث:"ليس على المسلم في عبده أو فرسه صدقة"فالذي اخترناه أن نفى الصدقة فيهما إنما كان لأنهما من حوائجه الأصلية؛ فالعبد يخدمه، والفرس مركبه وعدته للجهاد، ومن ثم أوجب جمهور الفقهاء منذ الصدر الأول إخراج الزكاة عن العبد والفرس إذا كان للتجارة، بل نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، ولم يقف ظاهر هذا الحديث دون ما فهموه وأفْتَوا به.

وأما عدم النقل عن الصدر الأول ما يفيد إيجاب الزكاة في هذه الأشياء ؛ فإنما كان لعدم شيوع الكراء والاستغلال فيها بحيث تعم به البلوى -على حد تعبير الفقهاء- ويظهر الحكم، ويتناقله الرواة، وكل عصر له مشكلاته التي تثار، ويطلب إبرام حكم في شأنها، ولم تكن هذه"المستغلات"من مشكلات تلك الأعصار؛.قال في"البحر": وقد ادعى مخالفة الهادوية للإجماع، وفيه نظر ؛ إذ لم يصرح السلف فيها بحكم (البحر الزخار 2/148) .

وفي حواشي شرح الأزهار: المختار أن قول الهادي ليس مخالفًا للإجماع ؛ لأن الصحابة والتابعين إما أن يكونوا خاضوا في المسألة واختلفوا فيها، فهي خلافية، أو خاضوا وأجمعوا، فلم ينقله عنهم ناقل، أو لم يخوضوا، فلا حرج في استنباط مسألة بفكره الصائب، ونظره الثاقب (حاشية شرح الأزهار 1/450) .

أما قياس هذه"المستغلات"على عروض التجارة ؛ فربما كان له وجه عند النظرة الأولى، إذ كل من المستغلات والعروض رأس مال نام مغل، وكلا المالكين تاجر يستثمر رأس ماله ويستغله ويربح منه، وكون صاحب العروض ينتفع بإخراج عين الشيء عن ملكه، وصاحب العمارة والمصنع ينتفع بالغلة مع بقاء العين ؛ ليس فرقًا يوجب الزكاة على أحدهما ويعفى الآخر.

بل قد يقال: إن المنتفع باستغلال الشيء مع بقاء عينه في ملكه -كمالك العمارة وصاحب المصنع- ربما كان أكثر ضمانًا للربح ن وأمانًا من الخسارة من صاحبه التاجر الآخر.

هذا ما قد يبدو لأول وهلة، ولكن عند التأمل يتبين لنا المفارقات الآتية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت