فهرس الكتاب
ولو أردنا أن نؤلف الفقه على الطريقة الحديثة، لوجب أن نجعل الزكاة من الفقه المالي والاجتماعي، لا مع العبادات المحضة، وكذلك عند التقنين، فإنها داخلة -لا محالة- في دائرة التشريع المالي والاجتماعي.
وهذا لا يخرج أحكام الزكاة كلها عن دائرة التعبد، فقد قرر الشاطبي: أن العادات إذا وجد فيها التعبد، فلا بد من التسليم والوقوف مع النصوص، كطلب الصداق في النكاح، والذبح في المحل المخصوص في الحيوان المأكول، والفروض المقدرة في المواريث، وعدد الأشهر في العدد الطلاقية والوفوية وما أشبه ذلك.
وأنا أدخل فيها مقادير الزكاة وأنصبتها لأنها أمور ضبطها الشارع وحددها وفرغ منها، وأجمع المسلمون عليها في كافة الأعصار، فوجب الوقوف عند النصوص والإجماع في ذلك. ولهذا خالفت الذين يريدون أن يخضعوا مقادير الزكاة وأنصبتها للتغير والتحوير حسب الزمان والمكان والحال، تحت عنوان"رعاية المقاصد والمصالح"فإن هذا يمحو معالم الزكاة الشرعية ويحولها إلى ضريبة مدنية بحتة، كالضرائب التي تفرضها شتى الحكومات في شتى الأقطار.
والخلاصة: أن مقاصد الشريعة إنما هي جلب المصالح للناس ودرء المضار والمفاسد عنهم، ودعامة هذا الأصل هو ما ذهب إليه مالك وأصحابه من اعتبار المصلحة المرسلة دليلًا شرعيًا، يجب العمل به كما يجب العمل بسد الذرائع (بل قال القرافي: المصلحة المرسلة غيرنا يصرح بإنكارها، ولكنهم عند التفريع يعللون بمطلق المصلحة ولا يطالبون أنفسهم عند الفروق والجوامع بإبداء الشاهد لها بالاعتبار بل يعتمدون على مجرد المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، انظر: كتاب:"مالك"للأستاذ الكبير محمد أبى زهرة) .
على أن كثيرًا من الحنابلة ينزعون هذا المنزع، وقد نصر ذلك الاتجاه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في كتبهما، وأفاضا في تأييده بالأدلة والاعتبارات الشرعية الصحيحة.