وواضح أن أسد ينطلق من أن المعنى الأصلى لكلمة"عُرْف"هو"المعرفة"وأن دلالتها على أعلى جزء في الشىء هى دلالة فرعية، لكنه بهذه الطريقة يقلب رأسا على عقب ما نعرفه من أن المعنى المادى للكلمة هو الأساس الذى تتفرع منه المعانى المجردة. وإذن فهذا المعنى الأخير الذى ذكره أسد على أنه المعنى الفرعى هو في الواقع المعنى الأصلى لا العكس. وثانيا هل يمكن في العربية أن نقول إن فلانا"على الأعراف"ونحن نقصد أنه على معرفة واسعة وقدرة على التفرقة بين الصواب والخطإ؟ الذى أعرف أننا نقول مثلا:"فلان على معرفة بكذا"، لكن الذى لم أسمع به قط هو القول بأن فلانا"على عُرْف" (أى على معرفة) ، بَلْهَ أن نقول""فلان على أعراف"، فضلا عن"فلان على الأعراف" (بالألف واللام) ! ترى هل يصح أن نقول"فلان على المعارف"؟ فما بالنا بـ"على الأعراف"؟ وثالثا فإن الزمن في قوله تعالى: "وعلى الأعراف..."هو نفس الزمن الذى ينظر فيه هؤلاء الرجال إلى كل من أهل الجنة وأهل النار، أى في الآخرة، أما الأستاذ أسد فيقول إنهم"كانوا"يتمتعون"فى الدنيا"بالمقدرة على التمييز بين الحق والباطل. وهذا غير ذلك كما هو واضح. ثم إن العرب إذا وصفوا شخصا بالتمييز بين الحق والباطل فإنهم يقصدون مدحه لا القول بأنه فاتر في موقفه تجاههما مما يدخل في باب الذم لا المدح. وهذه هى الملاحظة الرابعة، أما الخامسة فهى أن أصحاب الموقف الفاتر في هذا الأمر هم عادةً الأشخاص الذين لا يتمتعون بمقدرة على المقاومة ولا يستطيعون، من ثَمَّ، الصمود أمام إغراءات الشهوات والأباطيل. أليس هذا هو ما نشاهده في الحياة؟ وعلى ذلك كان ينبغى أن يكون مكان هؤلاء مع أهل النار. وسادسا لقد تحدث القرآن كثيرا عن الكافرين الذين يصرون على كفرهم رغم علمهم أنهم على الباطل، وأن النبى والقرآن على الحق، ومع ذلك لم يستعمل كلمة"الأعراف"فى أى موضع من هذه المواضع، بل يستعمل عادةً كلمة"يعرفون"أو"