وبالمثل نراه يترجم"الهجرة"فى الأغلبية الساحقة من المرات بـ"Exodus"، وهى الكلمة التى ارتبطت بتاريخ اليهود وخروجهم جميعا دفعة واحدة من مصر [3] . لقد تحولت اللفظة العربية إلى اسم علم تقريبا، بل لقد دخلت اللغات الأوربية كما هى دون تغيير مع كتابة حرفها الأول"H"بالحجم الكبير دلالة على أنها تعامَل في تلك اللغات أيضًا معاملة الأعلام. وقد انسلخ كاتبنا، كما قلت، عن يهوديته، فلماذا يهجر الكلمة العربية المسلمة إلى تلك اللفظة الأجنبية ذات الإيحاءات اليهودية؟ وقد سبق أن انتقدتُ بيرك لنفس السبب في كتابى الذى وقفتُه على دراسة ترجمته الفرنسية للقرآن الكريم، وأحسب أن الأستاذ محمد أسد أولى بالعتب من بيرك لأنه مسلم، أما بيرك فلا. ومما ترجم به كاتبنا مصطلح"الهجرة"أيضا كلمة"Flight: الفرار"، وهى ترجمة خاطئة، بل لا أتجنى عليه إذا قلت إنها مسيئة في حق الرسول عليه السلام. إن من المقبول أن يقول مترجمنا مثلا في خروج موسى عليه السلام من مصر، بعد وَكْزه المصرىَّ وقضائه عليه، إنه"فرار" [4] لأن القرآن نفسه يقول على لسان ذلك الرسول في حديثه إلى فرعون بعد أن عاد إلى أرض الكنانة محملا برسالة السماء:"ففَرَرْتُ منكم لمّا خِفْتُكم" [5] . وفوق ذلك فإن هذا الفرار إنما كان قبل بعثته، ولذلك لم يعقّب الله سبحانه على تصرفه هذا بشىء، على عكس الحال في قصة يونس عليه السلام حين"أَبَقَ"من قومه ضِيقًا بعنادهم وتصلبهم في الكفر، فركب سفينة ورست عليه القرعة فألقى بنفسه في البحر ليبتلعه الحوت ويقاسى في بطنه الأهوال إلى أن كتب الله له الفرج، أما تسمية الهجرة المحمدية"فرارا"فلا معنى لها، بل هى خطأٌ صراحٌ وإساءةٌ لا تصح. وإذا كان بعض المستشرقين غير المسلمين يستعملون هذه اللفظة لقد كان أقمن بأسد اختطاط سبيل أخرى. وعنده متسع عريض في كلمة"Hegira"، التى دخلت قاموس اللغة الإنجليزية وأصبحت جزءا لا يتجزأ من تلك اللغة كما