فهرس الكتاب
إننى لا أكفِّر أحدا ممن يؤوّل نعيم الجنة مثلا ولا أفسِّقه ولا أضلِّله، ولكنى رغم ذلك أجد أن الرأى الذى أقول به أَوْجَه وأكثر إقناعا وأقرب إلى المنطق والنصوص. وقد ورد فى"فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال"لابن رشد أن هذه من المسائل المختلف فيها. ورأى هذا الفيلسوف، رضى الله عنه، أن المخطئ من العلماء في هذا الموضوع معذور، والمصيب مشكور مأجور، والمهم ألا ينكر أحد البعث، وإلا فالإنكار كُفْر لأن البعث أصل من أصول الشريعة [85] . وكان ابن حزم، رحمه الله رحمة واسعة، من القائلين ببعث الأجساد والنفوس معا [86] ، ويسعدنى أن أكون في صفوف الفريق الذى يضم هذا العالمَ العبقرىَّ الجليل.
ومع ذلك كله فإن أسد في ترجمته لـ"صحيح البخارى"لم يحاول، في الأحاديث التى ورد فيها ذكر شىء من نعيم الجنة أو الجن مثلا، تأويل هذا النعيم. لقد أدى مثلا الحديث الذى يقول فيه النبى عليه السلام:"بينما أنا نائم رأيتُنى في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر...إلخ"كما هو دون أدنى تغيير، كما أنه لم يعلق عليه في الهامش بما يخرجه عن معناه الظاهرى [87] . ومثل ذلك ترجمته لكلمة"الجِنّ"بـ"Jinn"دون أن يستبدل بها شيئا آخر أو يجنح إلى تأويلها في الهامش بما يخرجها عن معناها المعروف. بل إنه في الحديث الذى وردت فيه إشارة إلى أن العظم والروث هما من طعام الجن لم يعلق ولو بكلمة واحدة تَصْرِف المعنى عن ظاهره [88] . ليس ذلك فقط، بل نراه في موضعٍ آخرَ من هذا الكتاب يحمل على الاتجاه العصرى الذى ينكر وجود الجن وما أشبه استنادا إلى عدم إدراك الحواس لمثل هذه الأشياء، ثم يستشهد بكلام للفيلسوف برادلى يقرر فيه أن عجزنا عن إدراك شىء ما لا يصلح متكأً البتةَ لإنكار وجوده [89] . كذلك فهو لا يستبعد أن يكون نداء إبليس للرسول عليه السلام أثناء المعراج نداء حقيقيا جسديا [90] .