عمد ثيودور هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في مدينة بال السويسرية في نهاية آب 1897، إلى رسم سياسة منظمة لعملية الزحف على أراضي فلسطين واستيطانها وتهويدها، ومن ثم إيجاد وطن قومي لليهود في هذا البلد، وفضل الصهاينة في دعواتهم الاستيطانية استخدام كلمة وطن عوضًا عن الدولة، نظرًا لأن كلمة"دولة"ستثير اعتراضات جهات دولية عديدة، وبعد رسم هذه السياسة الاستيطانية الصهيونية المنظمة في المؤتمر الأول، عمد الصهاينة إلى تحضير أدوات استيطانية على ثلاث مستويات: الأرض، الاستيطان المنظم، والمفاوضات.
وكان الهدف المشترك للمصرف اليهودي للمستعمرات عام 1898 وللجنة الاستعمار عام 1898، وللصندوق القومي اليهودي عام 1905، وشركة تطوير أراضي فلسطين عام 1908، كان الهدف لكل هذه المؤسسات الصهيونية الإشراف على عمليات انتزاع أراضي فلسطين وعمليات الاستيطان عليها، وتمويل تلك العمليات، والتأكد فيما بعد من نجاح المخططات، ورغم ذلك فإن برامج الصهيونية لم تتحقق حتى بداية الحرب العالمية الأولى، أي بعد من ثلاثين عامًا من العمل الصهيوني الجاد في رسم خريطة استيطانية، ولم يحالف النجاح للمشروع الصهيوني إلا بشكل محدود حيث كان الصهاينة يشكلون أقلية، ولم تتجاوز نسبتهم 1% من مجموع يهود العالم (1) .
وقد وصلت نسبة اليهود أي مجموع سكان فلسطين آنذاك أقل من 8%، ولم يمتلكوا سوى 2% من مساحتها (2)
كذلك نرى من الناحية القانونية، أن الصهيونية فشلت في الحصول على الاعتراف السياسي بها سواء من السلطات العثمانية أو من أية دولة أوروبية بيد أن الحرب العالمية الأولى أوجدت تحالفات جديدة بين الدول الاستعمارية مما أدى إلى تهيئة ظروف سهلت النشاط الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، ومهدت الحرب قيام تحالف أبرم في عام 1917 بين بريطانيا والصهيونية، تمخض عن صدور وعد بلفور، الأمر الذي قاد إلى انتزاع المزيد من الأراضي الفلسطينية، وتوج بإقامة إسرائيل في الخامس عشر من أيار 1948.
1 ـ 1 الأرض كعنصر من عناصر الاستيطان الصهيوني
(1) الاستعمار الصهيوني في فلسطين، سلسلة دراسات رقم 1، منظمة التحرير الفلسطينية مركز الأبحاث، بيروت، تشرين الثاني 1965 ص15.
(2) المصدر نفسه ص16.