فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 154

... إن ما عابه"سارتر"على الاتجاهين معا، جعله يلتمس للموضوع الجمالي وجودا يقع بعيدا عن الشيئية المادية، والتمثيل الباهت. فهو عنده موضوع"متخيل""IMAGINAIRE"يمكن إعادة بنائه انطلاقا من النص،واعتمادا على المعطيات التي يحملها القارئ في ذاته للموضوع. فالمكان مثلا، تعاد صياغته في الذات استنادا إلى اللغة الواصفة، ولكن اعتمادا على قدرات الذات وهي تتملى هذه اللغة،وتعيد من خلالها تشكيل المكان بحسب المقاييس التي تراها مناسبة له في تخييلها .فالصياغة إذا خلق مستمر للموضوع عند كل قراءة. وليس المكان مكان واحد بل أمكنة تتعدد كلما تعددت القراءة، وتجددت أدواتها، واغتنت بالجديد من المعرفة والمقاييس. فالتخييل إذا، مسألة لا تسلب المكان وجوده الفعلي الجغرافي/ التاريخي، بل تكسبه عند كل محاولة جديدا ينضاف إليه عند كل قراءة. هذه العملية المستمرة هي التي تجعل قارئ الرواية يعيد بناء المكان الموصوف على الهيئة التي يراها تناسب فهمه الخاص للنص، استنادا إلى المعرفة التاريخية المتعلقة بالعمران في الزمن الذي تتناوله الرواية.وقد يأتي آخر له من سعة الاطلاع العمراني ما يجعله يقرأ الرواية التي تتحدث عن أمكنة القرن التاسع عشر مثلا، فلا يفوته من هيئاتها شيئا. بل تكون الرواية بالنسبة إليه سياحة في عالم يعرف عنه دقائقه..وعين الأمر نلحظه فيما يتعلق بالثياب والعادات والأواني وغيرها..ذلك أن: « الوظيفة التخييلية..تلقائية إبداعية، يستطيع الوعي عن طريقها أن يهب لنفسه موضوعه الخاص، بحيث أن الموضوع المتصور ليبدو وكأنه لا يملك من التحديدات إلا ما أضفاه عليه الوعي. وعلى حين أن موضوع الإدراك الحسي هو موضوع يلتقي به الوعي، نجد أن موضوع التخيل إنما هو موضوع يقدمه الوعي لنفسه وبنفسه.» (1) فالمكان حينما يكون موضوعا جماليا متخيلا يكتسب خاصية الأثر المبدع الذي تؤول ملكيته إلى القارئ أولا وأخير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت