فهرس الكتاب
فالشاعر لا يقدم سوى الإشارة إليه في إبداعه، يعمل الاقتصاد الشعري على اختزالها،وحذف أجزائها. بيد أن التخييل يعيد إليها المحذوف، ليس بالطريقة الآلية التي يمكن أن نتصورها سريعا، وإنما بالإضافة الجديدة التي لم تكن للمكان من قبل. فالصورة المتخيلة: « إنما تتجلى في كون الموضوع يظهر غائبا"ABSENT"بوجه من الوجوه في صميم حضرته"PRESENCE"نفسها. وما يميز الصورة المتخيلة عن الصورة المتذكرة، إنما هو بناؤها اللاعقلي، فإن موضوع الذاكرة له واقعيته في صميم الماضي، وهو يتمتع بفردية الشيء المعطى"DONNE".» (2) .
3 -المكان الحضور والغياب:
... إن تأرجح الموضوع الجمالي بين الحضور والغياب، يجعلنا أمام نصين متوازيين: نص الغياب،وهو النص الذي يقدمه الشعر والرواية وغيرهما..وهو مكان الشاعر الذي أراد له أن يحتل مكانا في بنائه الفني، ومواصفاته الواقعية أو المتخيلة في ذهن صاحبه، لا يسعفه الفن في بسطها في جملتها كليا. وإنما يعمل على أن يتخير منها ما يمثل المكان الذي يريد أحسن تمثيل.أما النص الثاني: نص الحضور، فهو النص الذي يعمل التخييل على بنائه تباعا. فهو نص الإبداع الذي تتولى القراءة بسط مشكِّلاته المختلفة، وإكسابه من القيم التعبيرية ما يرفعه عن المكان الحسي المادي. لأنه ليس من غرض التخييل أن يختلق مكانا وحسب، بل الغرض كله في الارتفاع بالموضوع من الهيئة المادية إلى التعبير الجمالي انطلاقا من موقف إستيطيقي خاص بالمتلقي.