فهرس الكتاب
... لقد ظل هذا الشعور، وما يزال كامنا في كل غنائية، تلتفت إلى الوجود، وتحاول التعرف على سرّه. ولم يعد الطلل شارة بارزة من حجارة، و نؤي، و أثافي، وإنما صار الطلل في أغوار النفس شقوقا وأخاديد يحتفرها سيل الدهر احتفارا، فتنبجس منها الأحاسيس، وقد اترعت حزنا وهما. فإن كانت بالأمس رمز استدعاء الماضي المنقطع، فإنها اليوم أوغل في الاتجاهين معا. تنظر إلى ماضي لم تنل منه حظا لطيف الذكر، حلو الذكرى، وتتشوف إلى مستقبل لا تعرف عنه شيئا. اللهم إلاّ مقدمات يقدمها الحاضر أكثر قتامة وغموضا، تعمرها هواجس الخوف، والتوجس، والريبة. من هنا كان الشعر الحديث شعر غموض، وشعر حزن.. شعر نوستالجيا إلى البداوة الحالمة التي لم تتحقق إلاّ لذلك الأعرابي الساذج الطيب. ومن هنا كانت معضلة الشعر الحديث ذات ارتباط عضوي بالمكان. لا تنفك عقده إلاّ من خلال تفكيك العلاقة الأخلاقية والقيمية بالمكان.فإذا رحنا نبحث عن العلل خارج هذا الإطار، كنا كطالب الدواء عند غير أهله.
... لقد أحس الواصفون للأطلال - نثرا وشعرا - بهذه العلاقة الوطيدة، وعادوا على المكان بأوصاف الإنس والاجتماع، وانصرفوا عن المظاهر الخارجية لعدم جدواها فيما يريدون البوح به من أحاسيس. وكلما أفرغوا على المكان شيئا من نعوت وأحوال الإنس، كلما بدت المسافة بين ما قصدوه وما حققوه قريبة يمكن الارتياح لها، إذ هي تفي ببعض المراد.