فهرس الكتاب
كتب أحدهم يصف ديارا خالية، يقول:» دار لبست البلى، و تعطلت من الحلي، صارت من أهلها خالية، بعدما كانت بهم حالية، وقد أنفذ البين سكانها، وأقعد حيطانها. دار شاهدُ اليأس منها ينطق، وحبل الرجاء فيها يقصر. كأن عمرانها يطوى،وخرابها ينشر. أركانها قيام وقعود، وحيطانها ركّع وسجود.« (2) وإذا حذفنا من النص:"صارت من أهلها خالية، وأنفذ البين سكانها"فقد حذفنا الشطر الحسي القليل من النص، وبقي الشطر الذي تتحول فيه الدار إلى"كائن"يجسد الضعف والهوان..إلى"المرأة"التي لا حول لها ولا قوة.وقد فارقها الأهل والصاحب، وأسلمها الدهر إلى الضياع والنسيان.
... إن صورة المرأة - في هذا الوصف - استدرار للعطف، وإشاعة لجو الحزن والضعف، وتأكيد لعامل الضياع، وانقطاع الرجاء. ولم يذكر الواصف المرأة صراحا، جهارا، ولكنه قدم"التعطيل من الحلي"ليخص هذا الجنس بالذات. فإذا رفع إلينا صورة المرأة التي لبست البلى بعد القشيب، وتعطلت من الحلي والحبيب، فقد غدت مقعدة، بائسة، قد انقطع حبل رجائها، وتضعضع أس بنائها، وطواها الدهر، ونشر خرابها. إنها صورة يألم لها العربي أشد الألم، فيبكي بكاء مرا. ولهذا السبب أبكت الأطلال شعراء لم تكن لهم صلة بذاك الطلل بعينه، وكأنهم يبكون للفكرة التي يحملها الطلل مطلقا.