فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 154

... لقد ادعى بعض النقاد، أن الشعراء"يقلدون"وهم يبكون الأطلال، وحملوا قول"امرئ القيس"معنى شططا، حين ذكر"كما بكى ابن حذام"، وفهموا منه تقليده في البكاء وحسب. ولم يفهموا أن الشاعر الأول قد أحسن وأجاد في التعرف على دواعي البكاء، وأسبابها العميقة، وأن الشاعر الثاني إنما قصد من خلال ذكره إلى ضرورة الاستمرار في البكاء، وفلسفة المواقف إزاءه. وليست كما في هذا الموطن للمشابهة الخارجية، والتقليد الساذج البارد. وإنما هي للاستمرار والمواصلة، وتعميق البحث في أسس التحول الذي يسكن الحياة، وتتجسد مظاهره في المكان. إن المكان - بهذا المعنى - كتابة، يجب قراءتها بما يناسبها من عمق ودلالة. وكل طلل - أيّا كان الطلل - ملك للشاعر، لا يختص به آحاد من الشعراء، حتى وإن قرنوه باسم الصاحبة. إن الصاحبة هنا"تعلّة"فقط تعطي للبكاء شيئا من الخصوصية التمييزية فقط. وكل القبور"قبر مالك"تثير في النفس أشجانا تسحّ الدموع سحا.

... إن المقابلة بين البكاء على الطلل، وفكرة"قبر مالك"تأخذ بعدها الأنطولوجي من كون البكاء استجابة تلقائية لما يبعثه الطلل من شجون في النفس العربية. وكأن المكان آية استحضار تفعل فعلها المباشر في النفس دون واسطة. لقد كان"متمم بن نويرة"أشعر الناس بالفكرة، وأعلمهم بالوقع الذي يصاحب رؤية القبر - أيا كان القبر - وكأنه قبر"مالك". بيد أن الجديد في قول"متمم بن نويرة"راجع إلى دفع لوم اللائمين على البكاء، ليس استنكارا للفعل في حد ذاته، وإنما خوفا على صاحبهم من كثرة البكاء. وكأنهم لا يرفضون الفكرة، بل يشفقون على الشاعر من الإفراط فيها. قال"متمم ابن نويرة":

... وقالوا: أتبكي كل قبر رأيته

... لقبر ثوى بين اللوى والدكادك.

... لقد لامني عند القبور على البكا

... رفيقي لتذراف الدموع السوافك.

... فقلت لهم إن الشجا يبعث الشجا

... دعوني فهذا كله قبر مالك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت