فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 154

ولو راقبنا كيف عالج الشاعر الموقف، أمكننا استخلاص جملة من الملاحظات القيّمة في هذا الباب. ولنا أن نجزم أول الأمر أن الشاعر لم يقصد التفنن في القول، وإنما جاءت الأبيات تلبية صادقة لدواعي الموقف. إنه يقف على"قبر"يبكي المكان وما اشتمل عليه من معاني الفقد والزوال مطلقا، وكأن كل قبر يحمل في صميمه هذا المعنى حملا واضحا، وأنه يخلف في قلوب أهله ما يخلفه قبر مالك على الحقيقة. ومنه جاء نعت الرفاق"كل قبر رأيته"وجاء الاقتران"لقبر ثوى"على سبيل المشابهة والهيئة الظاهرية عندهم. بينما يرى الشاعر خلاف ذلك. لذلك تراه يعود يؤكد اللوم"لقد لامني عند القبور على البكا"وكأن لتكرار الموقف عنده معنى يخالف ما يستشفه الرفاق من عين الهيئة والموقف. ومن ثم يجد الشاعر نفسه مجبرا على تقديم التعليل الذي يقربهم من حقيقة المعنى الذي يحمله في نفسه للموقف - وهو غير بعيد عما أشاروا - ولكن معنى الشاعر له خصوصية تحويل المكان وتأميمه لغرضه الخاص، حتى تغدو القبور أينما كانت"قبر مالك". وقرينة التحويل هي أن"الشجا يبعث الشجا". ولعمري إنها"الشقاوة"التي تحدث عنها"أبو نواس".

... إن نقادنا وهم يتساهلون في إصدار الأحكام، يؤكدون - من طرف خفي - أنهم لم يعودوا"عربا"، وليس في مستطاعهم فهم العرب. وما رأوه في قول"أبي نواس":

... عاج الشقي على دار يسائلها

... وعجت أسأل عن خمارة البلد.

... لا يُرقئ الله عيني من بكت حجرا

... ولا شفى وجد من يصبو إلى وتد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت