فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 154

تنصّلا من المقدمة الطللية، محض افتراء، وسوء فهم. لأن كلمة"الشقي"في قول"أبي نواس"تكشف عن عمق العلاقة بين الطلل والشقاوة.. شقاوة هذا الذي كتب على نفسه أن يبكي كل طلل يصادفه، وأن يجعل بكاءه على رأس غنائه وشعره، حدائه ورجزه. نعم إنها شقاوة وشقاء.. وليست تنصلا من المقدمة الطللية.و"أبو نواس"في لهوه يريد التنصل من عبء حمله الشعراء من قبله، وحمله هو في كثير من قصائده. وإذا كان رفاق"متمم بن نويرة"يشفقون على صاحبهم من مغبة طول البكا، فإن"أبو نواس"يتعمد - لاهيا - أن يدعو على صاحب الشجن بعدم الشفاء. وتلك مسألة يجب قراءتها من باب"السخرية"التي شاعت في ذلك العصر، لا أن تؤخذ مأخذ الجد، وتؤسس عليها الأحكام النقدية الجائرة.

... إن"أبا نواس"يحاول أن يخفف عن نفسه"ضريبة الشعر"لأنه يدرك أن للطلل سلطانه على الشعر العربي قديمه وحديثه. وآية ذلك أن الشعراء استمروا في الوقوف والبكاء من بعده. ولم يفهم أحد منهم أن قوله دعوة للتخلي عن الطلل. فالطلل في قرارة كل واحد منهم يحمله حلا وترحالا.

... كتب"إيليا الحاوي"عن الطلل يقول:» لقد كان شعراء المعلقات أهم من تصدى له، إذ جعلوه مطلعا لمعلقاتهم، وأمعنوا في التدقيق به، متناسخين، معبرين عنه من خلال المعاني المتداولة، متجاوزين في الغالب عن تجربتهم الخاصة. لهذا نرى ملامح الإنسان الموطوء بالأسى والحنين، تتقلص وتتضاءل في شعرهم. ويخيل إلينا أن الطلل لم يكن في نفوسهم بقدر ما كان في ذاكرتهم، وما يشتمل عليه من معان تقليدية ملفوظة. لقد كرسوه كمادة لاستهلال القصيدة، حتى شخص في تسع من المعلقات مما يرجح أن شعراء المعلقات اقتفوا به آثارا مبهمة لشعراء سابقين تعفّت أسماؤهم فضلا عن أشعارهم. وقد تحول وصف الطلل إلى وصف خارجي، لا يعبر عن الوجدان بما فيه من مضاعفات شعورية.« (3)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت