فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 154

... عندما نقرأ مثل هذا التعليق - والذي شاع في الدراسات النقدية حكما قطعيا، وقد تعمد الناشر كتابة بعض كلماته بالخط العريض ( متناسخين، كرسوه كمادة لاستهلال القصيدة) إمعانا منه في إسباغ الصفة التقويمية على الحكم، وكأنه الحكم المنتهي الذي لا رجعة فيه - تنتابنا الدهشة والقلق في آن واحد. ومثار الدهشة عندنا ينبع من تساؤل بسيط: كيف يحق لشخص يجلس على أريكته، ويصدر حكما في أقوام بينه وبينهم مسافة القرون المتطاولة، والعهود البائدة ؟ كيف يعن له أن يحكم بالتناسخ؟ ألكون الطلل قد ظهر في مطلع تسع من المعلقات، في لغة متقاربة الألفاظ والعبارات ؟ أم لكونه تحلية مجانية تعلق على مطالع القصائد؟ إنني أقدر جهود الباحث وأرتاح لقراءته كثيرا ! ولكن مثار القلق عندي أن الناقلين عنه أخذوا الحكم مسلّمة، ورددوه في الدرس والكتابة، ولم يتساءلوا أبدا كيف خرج الطلل من النفس إلى الذاكرة ؟ ولا مقدار الفرق في الشيء تحبل به النفس، و يعتمل في أغوارها، وبينه وهو مصفوف، مرفوف في مخزن الذاكرة ؟ إن بين الوضعيتين بون شاسع ! معايشة ومكابدة ومعاناة هنا، وحفظ بارد معقم هناك.

... وإذا عدنا إلى صياغة الحكم ولغته، وجدتني أرتاب كثيرا في مصداقيته. فالباحث يؤسسه على: ( نرى، ويخيل إليّ، مما يرجح، أثار مبهمة..) وكأن إصداره له لم يكن عن طول روية وتمعن، وإنما كان محض رأي يحتاج إلى ترجيح علمي دقيق. لذلك كانت خاتمة الفقرة أمرّ طعما، حين وقفت نتيجة الحكم عند تحول"وصف الطلل إلى وصف خارجي لا يعبر عن الوجدان بما فيه من مضاعفات شعورية"وكأن المطلوب من الشاعر أن يتخلى عن شعره وزنا وقافية، والإسراع وراء الظلال الهاربة المتحولة للمعاني التي تستثيرها الأحاسيس الخاصة. ولو فعل الشعر ذلك لما كان شعرا، بل محض فلسفة، وغابت عنه الإنشادية، وانفرط عقد القافية، وتداخلت الأوزان والبحور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت