فهرس الكتاب
... كان ذلك القدر من القول يرضي الشاعر والمستمع المتلقي، ولم يكن يجد حاجة إلى إطالة وإفراط، ولم يعب عليه أحد من المتقدمين والمتأخرين صنيعه، إلى أن يأتي"العربي الجديد"ويرى الظاهرة مطردة في جميع النصوص، فلا يجد لها من تفسير سوى التناسخ، ولا من مبرر سوى تحلية مطالع القصائد، و يلتمس من قول شاعر حركة تمردية على الطلل.. وبعد هذا. هل كلفنا أنفسنا قراءة نفسية للطلل؟ هل كلفناها قراءة أنثروبولوجية، وأخرى أركيولوجية ؟ هل أرغمناها الفحص الاجتماعي / التاريخي ؟ كل ما نعرفه هو بعض المحاولات المعزولة التي رامت الاقتراب من هذه الجوانب في خجل، وتفاوتت في علمية مرتكزاتها المعرفية! ولم نعرف مشروعا رام محاصرة الطلل يقوم بها فريق من الدارسين المختصين.. إن النقد عندنا جهود فردية أنانية، إذا عارضها غيرنا أقمنا عليه الدنيا ولم نقعدها. لأننا مازلنا مسكونين بروح الخصومة والجدل.. بل لقد أقمنا بلاغتنا على الجدل والمخاصمة، وأنشأنا البيان على ثنائية القهر والتسلط، على مقابلة غالب ومغلوب. (4)
4-المكان كتابة:
... قال"ثعلبة بن عمرو العبدي":
... لمن دمن كأنهن صحائف
... قفار خلا منها الكثيب فواحف ؟
... فما أحدثت فيها العهود كأنما
... تلعب بالسمان فيها الزخارف
... أكب عليها كاتب بدواته
... يقيم يديه تارة و يخالف
... رجا صنعه ما كان يصنع ساجيا
... ويرفع عينيه عن النطع طارف.
لقد سبق وأن أشار"إيليا الحاوي"إلى أن وصف الطلل قد غدا وصفا خارجيا، يقوم على الذاكرة و محفوظها من الصيغ والألفاظ فقط، منصرفا عن التجربة النفسية للإنسان الموطوء بالأحزان والأشواق. بيد أننا ونحن نقدم هذه المقطوعة التي اختارها"الباحث نفسه"، نحاول مساءلته لتقرير بعض الحقائق الأولية، وصولا إلى دفع"الوصف الخارجي"الذي ختم حكمه النقدي.