فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 154

... إن الشاعر مسكون بالطلل في حلّه وترحاله، والاستفهام الذي تصدّر البيت الأول، استفهام خاص. أي أن الشاعر لا يبتغي طلب إجابة عنه، ولا يسعى إلى تعيين. إنه في هذا المقام يشبه"قبر مالك"لأن"شقاوة"الشاعر لا تقف به عند التحديد والتعيين، وإنما يساعده الاستفهام على فتح الجرح فقط، ونقل المكان عبر الكلمات إلى المستمع/ المتلقي. ذلك همّه الأول. ولهذا الغرض يستعين على ثقل المحمول بالتشبيه (كأنه) يدفعه مباشرة بعد الاستفهام.

إن الشاعر يشاهد - وهو على ظهر ناقته - مكانا ( دمن، كثيب من الرمل، أحجار، تربة تحولت ألوانها، بعض العشب..) وما يراه بأم عينيه، لا يعني شيئا عند المتلقي إن هو حمله إليه عبر اللغة وصفا خارجيا. وأول تحويل رمزي يجريه الشاعر في قرارة نفسه، يشبه إلى حد بعيد عملية الاختزال، يوكلها إلى تقنية التشبيه، حتى تتقارب العناصر المادية وتندمج في وحد دالة. ومن ثم راح يختار لها صفة الكتابة. ويكتسب التحويل الفني من هذه العملية النفسية /الإبداعية صفة الترميز التي تعزّ كثيرا على الشعراء، وتربك فيهم أداتهم الواصفة.وما يحمله الشعر بعدها، ليس مكانا كما نعهد، وإنما كتابة تحتاج إلى قراءة. وهي كتابة ستظل مستغلقة ما لم تعالج القراءة أقفالها وتفك عقدها. وإن نحن نعتناها بالوصف الخارجي، فاتنا من الشعر أروع ما فيه. وكأني بالشاعر قد انتهت مهمته عندما أنجز التحويل الرمزي، وقدم الكتابة بدل الطلل الواقعي. وذلك جهد طاقة الشعر، ومنتهى مستطاع الشاعر. ويبقى النص الجديد في حاجة مستمرة إلى قراءة.

5-تحولات الكتابة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت