فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 154

... إنه نص عجيب غريب، دائم التحول ‍! كيف ؟‍إن اللحظة المكانية التي ارتسمت في قرارة الشاعر، كانت تعتمد على جملة من العناصر المادية المشاهدة، والتي ما تزال في رحمة التحول المستمر الذي تجريه الطبيعة على هيئتها من محو وتثبيت، كلما عادت إليها الأنواء، وعدت عليها الرياح، وتعاقب عليها الشتو والمصيف.. وكل حركة في هذه الظروف تغير ما تشاء من سطر، محوا وإضافة. إن الشاعر يدرك ذلك جيدا، ولا يأمن أن تظل الصحيفة التي شاهد على حالها، بل يجزم أنها ستتغير غدا أو بعد غد .. لذلك كانت صياغته للنص تحمل هذا التحول، وتشير إليه، حتى لا ينخدع المتلقي بما وصف، ولا يأمن بدوره السكون الذي يوحي به المكان ظاهريا.

... إن صورة المطر الذي يخلط التربة، ويشكل من ألوانها المختلفة زخارف وهيئات، فعل اللاعب اللاهي، ترفع إلينا ما نشهده في الفن الحديث الذي يقوم على مزج الألوان تلقائيا، مانحا للمصادفة صنع الأشكال وتمازجها، ودرجات تلوّنها. والفن الحديث يعجز إذا رام استنساخ صورة تصنعها المصادفة. لأنها خاضعة لوضعيات لا يتحكم فيها الرسام أبدا. وإذا اجتهد ليعيد الكرة، لم تسعفه المصادفة أبدا لإخراج ما كان قد تحقق قبلا. كذلك فعل الماء المنهمر، قد يخضع لغزارة الشؤبوب، واتجاه الريح، وشدة القطر.. ولا يكون هو هو أبدا. فالصورة التي ينشئها الساعة ستكون مغايرة لما أنشأ قبلها. إن الكتابة التي تحكمها المصادفة لا تقع على مثال سابق، ولن تكون نموذجا آخر لآحق. إنها كتابة مستمرة، ومحو مستمر يتداولان على الصحيفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت