فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 154

... بيد أن عقل الشاعر يريد لهذه الكتابة شيئا من يقين القصد، وإلاّ استحالت عبثا لا معنى يرجى فيها. فيختار صورة الكاتب المكب على الصحيفة، يتبع قلمه قصدا مبيتا، كلما كان ساجيا قاصدا لما يريد.وكأن الشاعر يريد من هذه الهيئة المزدوجة تحميل النص الجديد مقصدا، فيه من اليقين ما يمنحه فعل الدهر من سحق للكائن والموجود، وإفنائه مهما تطاول به العهد. وفيه من العبثية ما يعجز دونها التفسير، بل يجد فيها العقل مادة تفكير تصوغ للدهر حقيقته، وتعطي للفنان رمزيته، وللأزلية مطلقيتها. أما ما دعوناه"عبثا"فليس يراد من العبث معناه المعهود عندنا، وإنما ألجأنا الجهل به إلى هذا النعت. لأنه كتابة مستعصية علينا، لم تألفها عقولنا، ولا حواسنا. وقصارى الجهد إزاءها أن نفتحها على التأويل. فيكون لنا من النص الذي رفعه إلينا الشاعر سبيلان: سبيل التفسير، وسبيل التأويل. يقرأ التفسير ما خطّه القصد، ويقرأ التأويل ما اشتطّ به القلم.

... إن مهمة الشعر أن يرفع إلينا مثل هذه النصوص، حتى وإن وجدنا فيها - جهلا - وصفا خارجيا محضا. إنها نصوص مفتوحة غير منتهية. إنها في حاجة ماسة إلى قراءة ذات السبيلين. وكلما رفع الشاعر إلينا نصه ذاك، فقد انتهت مهمته، وبدأت مهمتنا نحن. لأن الشعر واسطة بين كتابتين: كتابة مستمرة يجيرها الدهر في الوجود، يقتطف منها الشعر لحظات فقط، وكتابة يحولها الشعر - بعد الاقتطاف - إلى لغة في حاجة إلى مزيد.

... قال"لبيد بن ربيعة العامري":

... عفت الديار محلها فمقامها

... بمنى تأبد غولها فرجامها

... فمدافع الريّان عري رسمها

... خلقا كما ضمن الوحي سلامها

... وجلا السيول عن الطلوع كأنها

... زبر تجدّ متونها أقلامها

... أو رجع واشمة أسف نؤورها

... كففا تعرض فوقهن وشامها

... وقفت أسألها، وكيف سؤالنا

... صما خوالد ما يبن كلامها ؟ (5)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت