فهرس الكتاب
لقد كان العربي يدرك أن الكتابة تقاوم البلى، وتتغلب على النسيان. إنها فن عزيز، لا يملك ناصيته إلاّ آحاد من الناس، يضمنون به استدامة المعرفة والخبر. وكانوا يدركون ما للكاتب من مكانة عند ذويه، لأنها عنوان العلم والمعرفة.ولما كان"الدهر"معدن كل المعارف والخبرات، جعلوا عوارضه الطبيعية كاتبة. وربما كان في حديث"النّصبة"عند"الجاحظ"ما يشير إلى هذا المعنى. ومهما يكن فإن الخط أثر، والأثر خط، والدهر كاتب، والدمن صحائفه. والشاعر وهو يقف أمامها يستشعر معنيين: معنى التحول الذي يسكن الموجودات، فيزحزحها عن أحوالها التي كانت لها من قبل، ويتدرج بها من الجدة إلى البلى، ومن العمران إلى الخراب، ومن الحياة إلى الموت. ومعنى الكتابة التي لا تزال في حاجة إلى قراءة ثانية وثالثة.. وكأن وقفة الشاعر لا تكفي لاستيفاء المكتوب حقّه، بل تحتم عليه شروط الصناعة وإكراهاتها أن ينقل الإحساس"خاما"تتولاه العقول والذائقة فحصا وصهرا. تستخرج منه النفيس الذي يقاوم بدوره هاجس النسيان والمحو.