فهرس الكتاب
... لقد خطّت السيول على وجهي الجبلين أخاديد وتجاعيد، تمتد كما يمتد السطر على وجه الصحيفة بيّنا واضحا. وكأن الجبل يفقد من جسده نصيبا كلما عاوده السيل، ينتقص منه انتقاصا، يزيل عنه هيبة القوة والجلد. فتبدو تجاعيده كتجاعيد الوجه الذي غضّنه الزمن، وكتبت عليه الأيام المتوالية صحيفتها التي لا يمحوها سوى الموت. ولا يجد الشاعر لهذا المظهر من محول رمزي سوى الكتابة على الصخر، أو في الزبر، أو خط الواشمة.. هيئات ثلاث تتلاحق في قرارة نفسه، ولكل واحدة منها حقيقتها الخاصة، وحمولتها المعرفية، ومرجعيتها التاريخية. ألم يكن"لبيدا"مثقفا ؟ - بالمعنى الذي نعرفه اليوم - إنه يعلم ما يثيره لفظ"الوحي"حتى وإن كان نظم القصيدة في الجاهلية ! ثم"الزبر".. كلها ألفاظ تجعل القارئ الحديث يمد بصره نحو التاريخ، يتحسس آثار الحنيفية الأولى في العرب، ويتحسس أحاديث أهل الكتاب، ثم ينعطف إلى البيئة القريبة ليجد صورة الواشمة قريبة المنال من سامعيه.
... هذا حظ النص الذي يرفعه الشعر إلينا. يرفعه كتابة نعيد من خلاله رسم أبعاد المنظر الذي يجري فيه الريان بين جبلين وقد ترك الدهر فيهما آثاره. ولكن الشاعر يحاول محاولة أخرى سرعان ما يتخلى عنها، لأنها ليست من مهمة الشعر.. إنها مناط القراءة وحدها. حاول أن يقف ليسأل، ثم يتراجع منكرا موقفه. كيف يسأل"صما خوالد ما يبين كلامها"؟ ولكنه يعرف أن لها كلاما على الرغم من صمتها وجمودها .. ودور القراءة أن تسألها أسئلة الشاعر، وأن تستنطقها لتسمع كلامها.