فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 154

... استطاع الشاعر القديم أن يفتح سفر المكان من خلال ظاهرة الطلل، واستدامة فعل البكاء، واستشعار سلطة التحول والمحو، وإن اتهمناه بتناسخ التجربة والتقليد. وقد عميت علينا أسباب الرحلة، ودورها في التكوين الاجتماعي للذات العربية. ومادمنا في"شققنا"نخلد للسكون، فإنه يتعذر علينا فهم العلاقة المتجددة للبراح، و الانعتاق من المكان. بل وإكساب هذا الأخير تحولا وسيرورة، تشبه إلى حد بعيد تحولات الزمن و سيروراته. وكأن الزمن يعجز عن التأثير في المتحرك. لأنه لا يمسكه بكلتا يديه. لذلك كانت آثار الزمن مخوفة، وهي ترتسم على وجه الطلل، تذكر العربي الرحّالة بأنها سلطة قاهرة لا تهمله ولا تمهله. ومنها كان ذلك التوجس والخوف. وكانت تلك النبرة الحزينة وهي تباشر الطلل. فإن لم تبك فعلا استبكت، وطلبت البكاء عمدا. وكأنها تطلب حقا لها من الذات قبل أن تطلبه من الزمن. ومن ثم كانت الحركة عنوان خلاص يلجأ إليها العربي كلما أضجره المكوث، أو طال به البقاء.. حتى طول العمر إن استمر على وتيرة واحدة، كان مثار ضجر وسأم. ألم يقل"زهير بن أبي سلمى":

... سئمت تكاليف الحياة ومن يعش

... ثمانين حولا، لا أبا لك يسأم !

وليس مبعث السأم من تكاليف الحياة، لأنها الحياة عينها، وإنما السأم، كل السأم، من طول المكث، وقلة الحركة، بعدما يفقد الجسد قدرته على الترحال والحركة.

2-حركة الانصراف:

... حينما يقف العربي على الطلل لحظة، يقف وهو على ظهر جواده أو ناقته، متأهبا للتحول والاستمرار في الرحلة. فتعلق به تلك الملاحظات الخاطفة. ينقلها البصر في لحظات، فتستقر في أعماق الذات، قلقة مضطربة، يبحث لها عما أسميناه بالمحول الفني الذي يخرجها"نصا"خاما يتأذن للقراءة كل حين.ثم يصرف وجه راحلته إلى مقصده، كما يصرف وجه شعره إلى غرض ثان.. هما حركتان في آن واحد، تتجسدان في هندسة القصيدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت