فهرس الكتاب
... وقفة قصيرة تملأ النفس حزنا ثم شجنا: حزن على ما مضى، وشجن على من فارق، ثم انصراف إلى وجهة جديدة. لذلك كان الغزل عقيب البكاء. ولنا أن نقف قليلا هنا! سماه النقاد غزلا، لأنهم وجدوا فيه ذكرا للمرأة، ولم يشهدوا أن الغزل المزعوم إنما يأتي دائما في صيغة الماضي المنقطع الذي انتهى، وتحولت صاحبته. لقد صارت بذلك جزءا من الطلل. إنه أشبه شيء برثاء الحال. إنه لون مما نسميه اليوم"نوستالجيا"وهي كل ذكرى كانت لذيذة في حينها، وصارت مع تطاول العهد مرّة المذاق، يحن إليها المتذكر، وفي نفسه حسرة الانقضاء والفوت. وليس غزلا ذاك الذي يستدرّه الطلل ويدفع إليه. إنه جزء من الطلل يرتبط به ارتباطا عضويا.
... كان الشاعر المتغزل فعلا يقول:
... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
... وما حب الديار شغفننا
... ولكن حب من سكن الديارا.
وكأن قبلاته ستتخلل الحجر والطين وصولا إلى ساكن الدار.وما يناله من لذة التقبيل، يعود عليه بالنشوة قريبا مما يجنيه من حرارة الخد. وقد نستبعد - نحن اليوم - تلك النشوة ونسخر من صاحبها، ولكننا إذا"تماهينا تعاطفيا"مع المشغوف، وتلمسنا حرارة حبه، أمكننا تلمس الدفء في الحجارة. وما نجنيه من هذا الموقف هو التمازج الحاصل بين المكان والمرأة. وكل تحول للمكان إنما هو تحول حتمي في المرأة. وبكاؤه بكاء لها. حتى وإن جاء الشعر حافلا بأوصافها ومحاسنها التي كانت لها في يوم ما. وليس ذلك الصنيع من قبيل الغزل، إذا خامرته مرارة الذكرى، ولوعة الفراق والشتات. و"طرفة بن العبد"أفصح قولا حين يردف بيته الطللي بقوله:
... وقوفا بها صحبي على مطيهم
... يقولون لا تهلك أسى و تجلد. (1)
ثم يضيف بعدما يعدد محاسنها في خمسة أبيات قائلا:
... و إني لأمضي الهم عند احتضاره
... بهوجاء مرقال تروح و تغتدي. (2)