فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 154

ففي البيت الأول إشارة إلى لوعة الفراق التي أثار شجونها الطلل، وفي الثاني ضرورة الرحلة والحركة للفرار من الهم. وكأن الإقامة ترادف الهلاك، والرحلة ترادف الانعتاق. وتظل صورة المرأة حاضرة بمفاتنها تتأرجح بين الذكرى الحلوة، والفقد المرير.

... وإني أزعم أن كثيرا مما يحسب على الغزل أنه منه، لابد من مراجعته ليحتل مكانة جديدة في أغراض الشعر العربي بين الشكوى والبكاء والحرمان. أما إطلاق اصطلاح"الغزل"على كل شعر ذكر المرأة، فذلك إجحاف في حق الشعر قبل أن يكون إجحافا في حق الشعراء. وهل نعدّ قصيدة"ابن زيدون"في"ولادة بنت المستكفي"غزلا، وصاحبها يبعث بها من ظلمة السجن، وقد زالت عنه الوزارة، وتولى عنه السلطان ؟ ألا تكون القصيدة رثاء للذات وقد أفل نجمها، وخبا توهجها ؟

3-الطلل الحديث:

... لم يكن الطلل ظاهرة"جاهلية"وحسب، وإنما كان الطلل، وسيظل شارة الشعر العربي ماضيا وحاضرا. ما دام الطلل يسكن الذات العربية هاجسا لا يتحول ولا يريم، وإن خفت ذكره حينا، يعود أحايين أخرى أشد توهجا وحضورا. وربما حمل كل حديث عن الدنيا وأسرارها، ومعاشها، شيئا من الطلل. وكل التفاتة إلى الماضي أو المستقبل لا تعدم من روح الطلل نصيبا مفروضا. وإذا أردنا أن نستسيغ هذا الطرح، علينا أن نتجاوز الطلل كما رأيناه من قبل: بعض أحجار كوتها نيران التنور، وبعض نؤي تهدمت جنباته، وبعض آثار حيوان..لأن ذلك ما تلمحه عين الشاعر الواقف، أما ما يحمله الشعر من بعد، وقد تحول من هيئة المنظور، إلى هيئة المتخيل الذي أضاف إليه الشاعر قدرا وفيرا من ذاته عبر التشبيه، والاستعارة، والكناية، والتصوير، والتشخيص، فطلل آخر. إنه الطلل الفني الذي يسكن أعماق الشاعر. إنه نصه الذي لا يسأم من حمله، ولا يمل من ترديده. فهو أبدا جديد، واحد، أبدي، أزلي، يجد في كل موقف يقفه الشاعر مخرجا يسعفه على الخروج، والنطق بأسراره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت