فهرس الكتاب
... لقد أعادت المدنية تشكيل الطلل في الشعر العربي الحديث. فلم يرتبط عندها بالرحلة، ولم يكن غرضا سريعا ما ينصرف عنه الشاعر إلى غيره، كانصرافه من موقفه ذاك إلى وجهته التي أخرجته من قومه. وإنما قدمت المدنية الطلل في ثوب آخر تجدد به عهده. لقد صار الطلل مكانا هادئا، يقع خارج دورة الزمن، خارج الحركة الجنونية المتسارعة المتدافعة للحياة، خارج الصخب والضيق. وكأن الطلل عزلة الزمن في الزمن، وعزلة المكان في المكان. تمر عليه فإذا بك تستشعر برودة الموت، وخلو الحياة. وكأن الزمن يتباطأ عمدا، وأن يد المحو تلهو به هنيهات هنيهات. إنها ليست في عجلة من أمرها. إن لها من الوقت ما يكفيها لمحوه ذرة ذرة.
... لم تكن وقفة الشعراء الرومنسيين على الطلل لتختلف عن وقفة الشعراء القدامى. بل هي وقفة واحدة، ذات هم واحد. تتكرر فيها الأسئلة الأزلية. وكأن النص ما يزال مفتوحا إلى الأبد. ووقفة"البحتري"على"إيوان كسرى"، ووقفة"عمر أبو ريشة"على"طلل روماني"، ووقفة"إلياس أبي شبكة"على"أطلال صور"وقفة واحدة. وقفة النفس التي يقلقها السؤال، فتهرب من صمت المعرفة وجهلها إلى صمت المكان وعلمه المكنون. إنه صامت عالم، يحمل في أحجاره وبقاياه أسرار من مضوا قبله وبعده.
... شاءت القصيدة أن تغير مقاربتها للطلل، تجديدا لثوب المعمار القديم الذي انصرف من البكاء إلى شيء من الحركة التي يتعمدها الشاعر هروبا من زحمة الدنيا إلى سعة الفضاء الخلو. وقد عرفنا هذا الانصراف جنينا مع"طرفة بن العبد"في قوله:
... وإني لأمضي الهم عمد احتضاره
... بهوجاء مرقال تروح و تغتدي. (3)
وواضحا بين الحركة في قول"البحتري":
... حضّرت رحلي الهموم فوجهت
... إلى بيض المدائن عنسي. (4)