فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 154

وهي حركة تريد استبدال هم ثقيل على النفس بهم آخر تتشوف إليه، وتسأل عن أخباره وأسراره. وقد تجد فيه السلوان والعظة، وقد يخفف عنها السؤال شيئا من الضيق الذي ينتابها، وقد يكون سؤالها مبعث ملاحظات تدق، فلا يلتفت إليها الزائر العادي الذي تشده رهبة المكان، فلا يتجاوز ضخامة المبنى، ولا يتعدى وجه الحجارة المصقول.

... إن الشاعر وهو ينغمس في هدأة المكان يرهف السمع، ويطبق الجفن، فتتسلل إلى أعماقه أصداء الماضي موشوشة أحاديثها الغامضة، ولغتها الغريبة. ولكل وقفة من وقفات الطلل في الشعر الحديث مقاربة خاصة، وإخراج مختلف. وكأن الشاعر قد استفاد مما في الفنون الأخرى من تقنيات كالمسرح والسينما، ومما يعطي الحركة حسا دراميا، يتولى هندسة النص جملة. تتوزع فيه مقاطع الوصف، والسؤال، والملاحظة، على مسافات النص. وكأنها بذلك تحاكي أجزاء المكان، القائم منها والحصيد. قد تدركه جملة، عن مبعُدة، ولكنها كلما اقتربت منه، كلما ابتلعها المكان، واشتمل عليها، حتى تصير الذات عنصرا من عناصره، وزمنا من أزمنته المتعددة المتعاقبة. وعملية الاشتمال هي التي تبعث في النفس الرهبة والخشية، وهي التي تملي على النفس أسئلتها. فالطلل لا يُساءل عن مبعُدة، وإنما الطلل احتواء قبل كل شيء. احتواء يعزل الذات عن ضجيج الحاضر وتلويثه. فهو إذ يُسكت ضوضاء الحاضر، يفتح وشوشات الماضي السحيق، تعلو تخفت، يلاحقها الشاعر مرهف السمع، يقظ الإحساس. يتتبعها في الشقوق والأخاديد، على وجه التراب الأغبر، وفي وجه الصخر المصقول. إنها في كل دقيق رفيع، وفي كل ضخم جبار !

4-الانفصال والاتصال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت