فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 154

... لقد استعملت الخرافة هذا النمط من الوصف، وتأرجحت بين الطرفين: البعد والقرب، واستطاعت أن تبرز المعاني التي قصدتها من وراء إغراق المتلقي داخل عتمة الجبل، أو من وراء شده مشدوها عن بعد إلى ضخامته. فإذا استعرضنا الأوصاف التي ملأت أقاصيص"ألف ليلة وليلة"ألفينا هذا النمط من المكان: ».. الملعون، أو المسحور، أو الخرافي،ليس عجيبا خارقا فحسب، إنما كان شريرا. لم تكن سفينة تمر بالقرب منه إلاّ وكان يصيبها من شرّه المستطير، فتتمزق أجزاؤها، وتتساقط ألواحها، وتتطاير مساميرها نحو الجبل الملعون. وما ذاك إلاّ بحكم الجاذبية الشديدة التي كانت العفاريت العاتية جعلتها فيه لتخويف الإنس. « (2) وكأنه مكان للضياع والفقد والموت والتلاشي، حين تتحول المراكب على جنباته إلى ألواح عائمة وقد تفككت دُسُرها.. وتزداد غرابة المكان قوة حين تحل به الأرواح الشريرة من جن وعفاريت، وهي تتلذذ بهلاك البحارة. وهو مكان لا يلاقونه مصادفة في طرق المغامرة، وإنما يساقون إليه قسرا حين تندفع بهم الأمواج نحوه بشدة هائلة.

... لقد أدركت القصة الخرافية ما للمكان من سحر، فراحت تصف القصور والبحار والبساتين، والصحارى، والجبال. بل أضحى بعضها ذا شهرة يعلمها الخاص والعام، تجري على الألسن دلالة على الاستحالة و الاستغراب. وذلك شأن"جبل قاف"وهو الذي: »يذكر رمزا للبعد الهائل من جهة، والاستحالة عليه من جهة أخراة. « (3) ويذهب"عبد الملك مرتاض"إلى أن جبل"قاف"يتردد كثيرا في أحاديث الأولياء و الصالحين ورجال التصوف. (4) وقد تؤول شهرة هذا الجبل إلى التحدي الذي يقترن بشرط تجاوز هذا الأفق"ولو في جبل قاف""وراء جبل قاف"وكأنه علامة تقع على تخوم الأرض وحدودها. فكل تجاوز له إنما هو من قبيل خوارق الجن و العفاريت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت