فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 154

... الجبل.. مكان للضياع والفقد.. الجبل.. ارتفاع وحاجز ونهاية.. لقد عمدت القصة الخرافية، والقصة الشعبية إلى استعمال"الجبل"لواحد من هذه المعاني، بعد إحاطته بهالة من الضبابية و عدم التحديد. تبث فيه الروائح والأصوات، من همهمة وهمس وهدير.. وكل لغط غامض و غريب. وهي في سعيها ذاك تراعي - ابتداء- عاملا نفسيا مركوزا في المتلقي الذي تمتلئ نفسه فرقا مما يسمع، ومما يرتسم على وجه"الحاكي"من تعابير تهوّل الوصف، وتنفخ فيه الأصوات، وتبث فيه الحركات.

... فإذا كان"الضياع"مقصدا للسارد، كان الجبل وعرا، متشابك الأدغال، تتعثر دروبه هبوطا وصعودا، تعمرها أصوات بعيدة متوعدة، وحشرجات قريبة مخيفة. وكأن كل خطوة فيه مزلق من مزالق الهلاك. لأن مثل هذا الوصف يكثّف الإحساس بالضياع والفقد، وغالبا ما يكون ليلا.

... أما"الارتفاع"و"الحاجز"و"النهاية"و"المنعة"فمعايير يدرجها الحاكي نهارا،لأنها معايير بصرية، يدركها المتلقي من خلال الوصف المبالغ فيه، والذي يجعلها تسد وجه السماء، وترتفع لتغيب خلف الغيوم. فكل شيء فيها ضخم كبير، تمتلئ النفس منه رهبة. فهي أوصاف تدرك عن بعد، خلاف جبل الضياع الذي يدرك عن قرب. وفي كلا الموقفين استناد إلى العامل النفسي التخييلي الذي يستعيد ترتيب الصور التي يبثها الحاكي، ويضخمها بدوره حتى تبلغ أبعادا خيالية. ولا يكون معنى"النهاية"حقيقة عينية إلاّ إذا أدرك عن مبعدة. فالمسافة هي التي تحدد طول الامتداد، وعلو الارتفاع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت