فهرس الكتاب
... يتعامل القرآن الكريم مع المكان - تعامله مع كل شيء- على وجه الحقيقة، فلا مجال فيه لما هو متخيل، بيد أن المكان القرآني خلاف غيره، يتمتع بجملة من الخصائص التي تكسبه سمة مميزة. فليس القرآن الكريم كتاب جغرافيا، وإن كثر فيه الحديث عن الأقوام البائدة وبعض أماكنها ك"الأحقاف"و"الحجر"و"مصر"و"سبأ"و"مدين"و"بابل","مكة"و"المدينة".. وهو ذكر يرد لتلاحمه مع الأحداث وارتباطه بها. وكأن في تحديده بيانًا لأهمية المكان في ذلك الموقف بالذات. حتى تكتمل الغاية وراء إيراد الخبر، وتفصيله. فقد عرض الله - عز وجل - في قصة"يوسف"- عليه السلام - مكانا واحدا"معلوما""مصر"وأبهم الأماكن الأخرى لقلة أهميتها بالنسبة للحدث عامة، و بالنسبة للغاية التربوية التي يرومها. ولم يحتفل القرآن الكريم ب"المكان"عندما يتجاوزه الحدث، وترفع عنه أهميته، فلا يكون في ذكره غاية إيمانية تتحدد ببيانه. وقد وردت الأخبار عن"قرى"و"أقوام"يأتي ذكرها معلقا في الزمان والمكان، لتقدم هدفا تربويا أو إيمانيا، ثم يتحول عنها القرآن الكريم إلى أغراض أخرى.
... وليس القرآن كتاب قصص، حتى يفيض في وصف المكان، كما هو الشأن مع أمكنة القص المعهودة. بل إن شكل القصة في القرآن الكريم يختلف عما هو جار في أعراف الأدب، مادامت القصة -عنده- حاملا تربويا تسعى إلى تثبيت الإيمان، وإيراد العبرة، والإخبار بقضاء الله - عز وجل - . فهي"حامل""SUPPORT"لا يتوقف اهتمام القارئ عنده، بل يتجاوزه إلى المحمول فيه، حتى يكتمل هدف القص.
... ولا يحمل المكان القرآني سيمات المكان الفني و الأدبي، بل يمتاز بالاقتصاد الشديد، ولا يكون إلاّ بالقدر الذي يتطلبه الحدث و يقتضيه الهدف التربوي. وقد تكشف الدراسات الجمالية المتخصصة عن سيمات أخرى لم نلمحها في عجالتنا هذه. تكون عونا للأدباء في التعامل مع المكان تحت توجيه قرآني معجز.