فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 154

لقد أدرك الشاعر العربي منذ العهود البائدة أنه لا يستطيع أن يبرح المكان، وأن المكان يحتويه في حياته ومماته. فهو جزء منه لا يختلف عنه في شيء، بل يحمل من سابقيه الذين رحلوا بقية يقف عليها في كل طلل يخاطبها و تخاطبه. وليس عجيبا أن يكون الطلل ممثلا لتجربة البراح و الحنين والندم (9) ومهما يكن من تفسير نسوقه للطلل وظاهرته الافتتاحية في الشعر الجاهلي، فإنه يبقى مكانا واقعيا ( جغرافيا) تعرفه الذاكرة التاريخية في أخبارها وأيامها.. وقد انشعبت التفسيرات الوجودية والنفسية لتعليل ذلك"التشبّث"عند الشعراء، ولو كان في تداولهم له ما يشبه التقليد البعيد الذي يتناسخون فيه التجربة في مقابل تجاربهم الخاصة. (10) كما يزعم النقد الحديث. وإن أبدعوا في مواطن وصفية أخرى كالأنواء و الصحراء، والوحش، و الرمال، وغيرها..

إن أروع تجربة ل"موضوعة الجبل"في الشعر العربي، نجدها عند شاعر الأندلس"ابن خفاجة"دون أن نجد عنده ذكرا للجبل بهذا الاسم. وإنما يحيد عنه إلى وصف مناسب هو"الأرعن"أي الجبل الطويل.. و يتجاوز الشاعر والوصف الحسي المادي ( بيتان) وكأن وصف"الأرعن"يكفي لبيان المراد الذي قصده الشاعر .. إلى الوصف المعنوي الذي تنفذ إليه التجربة الوجدانية بعمق، حتى ينقلب الوصف المادي إلى تشخيص يمكّن الشاعر من المحاورة، والبحث عن سر البقاء و التحول.

أ-الشيخ الوقور:

وهي صورة أثيرة عند العربي، يجد فيها الوقار والحكمة و بعد النظر، وكأنه ناسك يتأمل الفلاة، يفكر في عواقب الدنيا.

وقور على ظهر الفلاة كأنه

طوال الليالي مفكر في العواقب. (11) .

وتستمر الصورة الحسية لتعزز المعطى المعنوي ( الشيخ) حين يصبح الغمام عمامة يعتمّ بها الشيخ الوقور، وحين تكتمل هيئة الوقار و العلم، لم يعد أمام المتعلم إلاّ الإصغاء والاستماع.

ب-الحديث العجيب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت