فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 154

... يبدو أن الأطر المعرفية لموضوعة"الجبل"توقفنا على مرجعية هائلة لم نزعم أبدا استغراقها درسا. فهي تتسع طولا وعرضا، لتمتدّ في أعماق التاريخ. وتتعدد موضوعا في النشاط الفني لكل شاعر وناثر. وما عرضناه لم يكن إلاّ تذكيرا بالإطار المعرفي الذي يستند إليه كلّ استعمال فني.لأننا واجدون الشعراء لا يتورعون من التوظيف الديني و الخرافي و الفني، على صعيد واحد لخلق الحيرة الفنية عند التلقي، ولإشباع النص بالتوترات التاريخية و الفنية معا.

... وكلما كان إحساس الشاعر بعمق المرجعية التي يركن إليها، كلما تعددت في يده إمكانات الاستعمال، وأسعفته القدرة الإبداعية على المزج و التركيب بين العناصر التي ذكرناها، حتى يؤلف منها"تركيبة"غاية في الجدة والإبداع. وقد رأينا"ابن خفاجة"يعمد إلى خاصية"الإحساس و الحياة"التي نبّه إليها القرآن الكريم، ليجعل منها مادة للحوار، وكأنه يرى تأويب الجبال مع"أيوب"- عليه السلام - (1) مدعاة لبث الحياة في جبله الخاص.

... لم يكن"مفدي زكرياء"بدعا من الشعراء، وإنما كان يعي خطورة هذه المرجعية المعرفية ل"موضوعة الجبل". ولم يتوان في استغلالها استغلالا قويا. وهو في معرض الحديث عن الثورة التحريرية، والتغني بها. وليس بين يديه سوى الجبال ملجأ للثوار يأوون إليها، فتتحول إلى ثكنات، ومدارس،ومستشفيات، و إقامات ممنّعة .. هذه الجبال بصلابتها وثباتها توحي للمستعمر بصلابة عود أهل البلد وثباتهم. فهي رمز ذلك الإصرار الذي توارثته الأجيال منذ القدم.

... وقد وجد"مفدي زكرياء"في الأطر المعرفية مرجعية يغترف منها صوره. مادام يدرك أنها تلامس شغاف كلّ عربي. ولا حاجة له في الإفاضة والإطالة. وإنما تكفي الإشارة المختصرة العامرة بالدلالة. والتي تفتح في ذهن المتلقي سيلا من التداعيات، يرجع بها القهقرى إلى ذلك الأصل الذي يمتد به بعيدا في أعماق الثقافة الواحدة.

2-الفضاء المادي، الدال والمدلول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت