فهرس الكتاب
... وربما كان للموقف المشحون بالمشاعر الحادة، و وقوف الموت والحياة جنبا إلى جنب في أية لحظة، واختلاطهما في تركيب عجيب غريب لم تعهده النفس من قبل، تتوجس منه خيفة، وتقبل عليه تتحسس جوهره ومبناه. سحر آخر ينضاف إلى سحر المضمون. إذ لم تعد الكلمات خجلى، مدارية، رواغة، وإنما كانت الكلمات"عارية""صاخبة"تحمل حقيقتها في كفها. فلا تداري قارئا، ولا مستمعا. فقد تلاشى عنها ظل النفاق والخوف. فهي في بساطتها كالقذيفة خالية من حياة، وهي كالحياة مترعة بالمكر والخديعة في آن. وهي في رمزيتها كالوجود الملغز المشحون بالدلالة والتحول.
1-الموقف وأصول التجربة الفنية:
... من اليسير أن ندرك خطورة المواقف في سلوك كل فرد، مهما كانت الاستجابات التي تتمخض عنها. إلاّ أنه من العسير جدا - بل ومن المتعذر في أحايين كثيرة - أن ندرك جملة العناصر المشكِّلة للمواقف من ناحية، مادية ومعنوية، والأخرى التي تتفصد عن ارتسام علامات المواقف على صفحة الشخصية، وما يميز هذه الأخيرة عن غيرها من الشخصيات. كما أن الحادث من تلاحم الموقف مع خصوصية كل فرد إنما هو من قبيل التفاعل المعقد الغامض الذي نشهد بعض آثاره في خواص المادة. ويعسر علينا إدراك كمِّه وكيفه.
... لقد أدرك النقد القديم، غموض هذه المسألة في عالم الفن. فاكتفى بالإشارة إلى التلاحم الذي ذكرناه، وسكت عن كيفيات الاختلاط. فالفكرة - مثلا - عند"أرسطو"هي:» القدرة على إيجاد اللغة التي يقتضيها الموقف، و يتلاءم وإياها.« (1) بيد أن الاستجابة لهذا المطلب تفرض على كل منفعل للموقف، الراغب في التعبير عنه، أن يقوم بعمليتين اثنتين تباعا:
أ- إيجاد اللغة: