فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 154

... إذ لا يكفي أن يركن الفنان إلى الموروث القائم في اللغة، في شكله ومادته، وما صاغته الألسن في مثل تلك المواقف، وما استحسنت من لفظ، وما استملحت من عبارة، وما ابتغت من دلالة. لأن الاكتفاء بالموجود الموروث، إنهاك لحرارة الموقف وجدّته. ما دامت التعابير السالفة قد استنفدت المواقف التي من أجلها أنشئت. فكل موقف يفرز من خلال عناصره المادية والمعنوية جملة من المتطلبات الفنية. وكل استجابة له، إنما تخلق له لغته الخاصة. فإذا تولى الموقف، واستنفد طاقته، تولّت العبارة التي من أجله أنشئت، فلم تعد صالحة في تركيبها ذاك، وحرارتها تلك، لتعبر عن موقف جديد إلاّ من خلال المماثلة فقط. وهي خطوة تبتعد عن الموقف الخاص وتقلل من شدّته.

... إننا من خلال ترديد مَثَل ما، نعلن عن عجزنا عن إيجاد اللغة التي تعبر عن مواقفنا الخاصة، فنكتفي ب"استعارة"باردة، خبت جذوتها، وغدت رمادا باليا. ومهما تفننا في إخراج المثل، فلن نبلغ حرارة ذلك الموقف، وجدّة تلك اللغة كما كانت حينما قال أعرابي لأخيه - وهو يراه يغرق في السيل الجارف -: ( يداك أوكتا، وفوك نفخ ) . ونكاد نجزم أنه لم يقصد التفنن في القول، وإنما كان همُّه الأول - في تلك اللحظة الحرجة، الضيقة - تحديد مسؤولية الغريق، ونفيها عن نفسه. فاقتضى الموقف منه التركيز على سببي النجاة والحيطة. ثم جاء بترتيب"غريب"ملفت للانتباه، حين بدأ بعقد الحبل ولم يبدأ بالنفخ. لأنه يدرك في هذه اللحظة، أن سبب هلاك صاحبه يعود إلى وهن في الوكاء (2) لا إلى قلّة النفخ. إننا نلمح في تسارع العبارة، وتركيزها على هذه النقطة بدل تلك، أنها تمتح هيأتها من هيأة الموقف المتسارع المضطرب. إنها قضية لحظات فقط. وقد استطاع الأعرابي أن يجد اللغة التي يقتضيها الموقف، وتعبر هي عنه أحسن تعبير.

ب-التلاؤم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت