فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 154

... إن عبقرية الموقف إذا وافت عبقرية الفنان، صنعت فنا يتجاوز حدود المكان والزمان معا. ذلك أن الموقف"الصادق"بما أمدّ من مشاعر وتعابير، يكسب الألفاظ كثيرا من حدّته، وصرامته، وتوقد أحاسيسه. إذ الموقف هو الآخر فضاء محاصر، تعتوره مضايقات شتى تهدده بالتحول المستمر بحسب حاجات الوعي، وتلوّناته الآنية والبعيدة. فالمكان الذي:» يعيش فيه البشر مكان ثقافي، أي أن الإنسان يحول معطيات الواقع المحسوس وينظمها، لا من خلال توظيفها المادي لسد حاجاته المعيشة فقط، بل من خلال إعطائها دلالة وقيمة. وتكتسب عناصر العالم المحسوس دلالتها من خلال إدخالها في نظام اللغة. فاللغة هي المقابل اللاّمحسوس لعالم المحسوسات.« (7) وكأن الموقف يكتنز"إيجاد اللغة"التي تستطيع حمل ظلال الموقف، والأحاسيس المرافقة له حملا بالقوة، لا حملا بالفعل.

... إن الثورة انقلاب مستمر للأحداث، وتوال متسارع لها! فالموقف"الحار"قد لا يدوم طويلا، تلحظه"النفس الشاعرة"طرفة عين، فيرتسم في أغوارها فكرة غامضة، ويعتمل في مسالك قرارتها مولدا سلاسل من التأملات والانبثاقات المتلاحقة، تتزاحم فيها الصور تباعا. وعندما يتاح للتجربة أن تستكتب ذاتها، وتخرج واقعها، تبدو الكتابة وقد اكتنزت"اللحظة"و حيثياتها ومشاعرها. فيتحقق بذلك شرط الإبداع الصادق من جهة، وشرط نقاء التجربة من جهة أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت