فهرس الكتاب
... إن التعبير عن المواقف مجابهة للواقع، واتخاذ"موقف"إزاءه. لأن المجابهة تقتضي الإفصاح عن رأي، أو قرار، أو سلوك. عندها ندرك أن المواقف تشكيلات خاصة ضمن الواقع، تتضمن زمانا ومكانا يعطيان للموقف بعدا مأساويا، تتلون فيه المشاعر بحسب طبيعة الزمان والمكان. كما أن المجابهة لا تكتسب بعدها الإنساني التراجيدي إلاّ من خلال تشابك عناصر الموقف مع عنصري الزمان والمكان، في إطار وعي خاص باللحظة القائمة. لأنه:» على قدر وعي الأديب بالواقع الذي يعايشه، وإدراكه لطبيعة الصراعات والعلاقات فيه، يتضح موقفه الفكري إزاءه، وتتحدد فلسفته في التعبير الفني معه. « (4) فالموقف - إذن - ليس معطى خارجي صرفا، إنما هو من خلال التعبير الفني إنشاء ذاتي، لا يتكرر أبدا في ذات الصفة والشكل.ما دامت الإدراكات لطبيعة الصراعات تتبدل وتتغير تبعا لتبدل الوعي وتجدد أسس انبنائه. فالفنان لا يرسم الواقع:» كما هو مستقلا عنه، وبلا مشاركة منه، لأنه غير مكلف فقط بتقديم تقرير عن نتيجة المعركة. بل هو واحد من المناضلين، له نصيب من المبادرة التاريخية، ومن المسؤولية.« (5)
... لقد حاول"أرسطو"- من قبل - التأكيد على مشاركة الأديب من خلال"إيجاد اللغة"و"الملاءمة"بينها وبين الموقف. وفي ذلك دمج للفنان في الواقع، تتأكد من خلاله مسؤولية هذا الأخير في كيفية عرضه وتقديمه. إذ هو جزء منه، يحاول أن ينتزعه- عبر اللغة - ليكون واقعا خاصا في لحظة خاصة. مادام الواقع في جملته:» ليس إلاّ محصلة لجميع العلاقات المتشابكة بين الذات والموضوع. لا الماضية فحسب، وإنما المستقبلية أيضا. ولا تنحصر في الأحداث الخارجية وحدها، وإنما يشمل أيضا التجارب الذاتية.« (6)
2-الإبداع والموقف الثوري: