فهرس الكتاب
... بيد أن الموقف يُفترض فيه أن يحدد نمط القراءة، حينما يعين النص استجابة فورية للحظة معينة. وقراءة الشعر الذي كتب على قمم الجبال، لا يشترط فيه شرائط الصنعة، إلاّ ما جاء عفوا. وإنما يشترط فيه"صدق التجربة". ولا نريد من"الصدق"فحواه الأخلاقي، بقدر ما نريد فحوى التجربة الإنسانية في خوفها وأملها، في استكانتها وثورتها. إنها حالات قد تخالط الذات الواحدة في الموقف الواحد، فتعطي إعصارا من الغضب والتحدي. غير أن الإقبال على هذه"الجُمُلة""Totalite"الانفعالية، يقتضي منّا إدراك خلفيات ذلك التقاطع وذلك التفاعل. ونحن نعرف اليوم أن لاختلاط المشاعر مفعول كيماوي يصعب التنبؤ بنتائجه. فقد يتولد الأمل من موقف الخيبة، ويتولد الحذر من موقف الرجاء. وتلك نتائج لا يمكن التحكم فيها، وإنما الذات تملي فيها مخاوفها وآمالها. كذلك جاء الشعر مفعما بالشجاعة وهو ينطلق من حيز ضيق، يحاصره الموت من كل جانب.
3-السجن فضاء للموقف الفني:
... إننا ننظر إلى موضوعة السجن"Theme"على أنها فضاء يحتوي الموقف الفني ويوجهه، ويبعث فيه شروط الإبداع المختلفة، ويمكِّنه من"الهدأة"، فتكتسب اللغة فيها طابعا خاصا، تتأرجح دلالتها بين قطبين: قطب الداخل، وقطب الخارج/ قطب الحقيقة، وقطب الرمز. إن اللغة تفقد وظيفتها الدلالية المعهودة، لتكتسب من الموقف مرجعية تأثيلية، تغترف منها رمزيتها وإشاريتها. وتغدو قراءة اللغة في هذا الفضاء: الضيق / الواسع ضربا من التجديد في قاموسها الدلالي. إذ يتوجب أساسا إهمال ما هو معروف، وجار على الألسنة، ومصاحبة الشاعر في هذا الفضاء.. في مشاعره، ومخاوفه، وآلامه، في ما يريده من لغته لنفسه ولغيره. إنه عالم خاص، له قوانينه، وأعرافه، وعاداته، وبالتالي له لغته الخاصة. فكل كلام يندّ عن هذه الدائرة المغلقة، كلام غريب مردود.